عدالة التوافق والاستثمار.

  • بتاريخ : أبريل 21, 2026 - 10:25 م
  • الزيارات : 34
  • بقلم:حَبيل رشيد.

    لا شك أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر في مجال الاقتصاد والتجارة والاستثمار، قد أفرزت بالضرورة تحولات موازية في أنماط تدبير النزاعات، حيث إن المنظومات القضائية التقليدية، على ما راكمته من خبرة تاريخية ورصيد مؤسساتي، أضحت تواجه ضغطاً متزايداً نتيجة تضخم القضايا وتعقّد المعاملات وتداخل المصالح… وبالتالي، برزت الحاجة الموضوعية إلى بدائل قانونية مرنة، تستجيب لمتطلبات النجاعة والسرعة والفعالية، دون الإخلال بضمانات العدالة وأسسها الراسخة.

    ومن ثم، يندرج إقرار الوساطة الاتفاقية في صلب هذا التحول العميق، باعتبارها آلية قانونية حديثة نسبياً، لكنها متجذرة في فلسفة الصلح والتوافق التي عرفتها النظم القانونية منذ قرون… إذ إن من الثابت أن فكرة حل النزاع خارج قاعة المحكمة، عبر التفاوض والتقريب بين وجهات النظر، لم تكن غريبة عن الفقه القانوني ولا عن الأعراف المجتمعية، غير أن الجديد يكمن في تأطيرها بنصوص قانونية دقيقة، تمنحها الشرعية والفعالية معاً.

    وعلاوة على ذلك، فإن صدور القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، يعكس إرادة تشريعية واضحة في إعادة هندسة مشهد العدالة، عبر تكريس استقلالية الوسائل البديلة عن القضاء التقليدي، ومنحها مكانة مؤسساتية قائمة بذاتها… حيث إن هذا النص لم يأت فقط لتجميع مقتضيات متفرقة، وإنما ليؤسس لنموذج متكامل قوامه الثقة في إرادة الأطراف، والاعتماد على مقاربة توافقية في فض المنازعات.

    وبالتالي، فإن الوساطة الاتفاقية لا يمكن النظر إليها كخيار ثانوي أو إجراء احتياطي، وإنما كمسار أصيل يوازي المسار القضائي، ويستمد قوته من رضائية الأطراف ومن مرونته الإجرائية… إذ إن الأطراف، بموجب هذا النظام، لا يكتفون بعرض نزاعهم على جهة تفصل فيه، وإنما يشاركون فعلياً في صياغة الحل، وهو ما يعزز من قابلية التنفيذ ويحد من احتمالات النزاع المستقبلي.

    ومن جهة أخرى، فإن من المؤكد أن البيئة الاستثمارية، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، أصبحت شديدة الحساسية تجاه عنصر الزمن وعنصر الكلفة… حيث إن المستثمر، بطبيعته، يبحث عن الاستقرار القانوني واليقين القضائي، كما يحرص على تفادي المساطر الطويلة التي قد تستنزف الموارد وتعرقل المشاريع. لذلك، فإن اعتماد الوساطة كآلية لتسوية النزاعات، يشكل رسالة طمأنة قوية، مفادها أن النظام القانوني قادر على مواكبة متطلبات الاقتصاد الحديث.

    إضافة إلى ذلك، فإن ما يميز الوساطة الاتفاقية هو تكريسها لمبدأ السرية، الذي يعد عنصراً محورياً في العلاقات التجارية والمالية… إذ إن النزاعات التي تعرض على القضاء غالباً ما تصبح موضوعاً للتداول العلني، بما قد يؤثر على سمعة الأطراف أو على مراكزهم الاقتصادية، في حين أن الوساطة توفر فضاءً آمناً للنقاش، يحفظ المعطيات الحساسة ويصون المصالح الاستراتيجية.

    كما أن الطبيعة التعاقدية لاتفاق الوساطة، تضفي عليه بعداً قانونياً متيناً، حيث إنه يخضع لقواعد الرضا والمحل والسبب، ويستند إلى حرية التعاقد التي تعد من المبادئ الأساسية في قانون الالتزامات والعقود… وبالتالي، فإن هذا الاتفاق لا يقوم على الإكراه أو الفرض، وإنما على إرادة حرة واعية، وهو ما يمنحه مشروعية مضاعفة ويعزز من استقراره القانوني.

    ومن زاوية أخرى، فإن الدور الذي يضطلع به الوسيط، باعتباره طرفاً ثالثاً محايداً، يكتسي أهمية بالغة في إنجاح مسطرة الوساطة… إذ إن الوسيط لا يملك سلطة إصدار قرار ملزم، وإنما يقتصر دوره على تسهيل الحوار وتقريب وجهات النظر، وهو ما يتطلب كفاءة مهنية عالية ونزاهة أخلاقية راسخة… ومن ثم، فإن جودة الوساطة تظل رهينة بمدى تأهيل الوسطاء وتكوينهم المستمر.

    غير أن هذا التطور التشريعي، على أهميته، يطرح في الآن ذاته جملة من التحديات العملية… حيث إن تفعيل الوساطة الاتفاقية يقتضي نشر ثقافة قانونية جديدة، تقوم على التفاوض بدل التقاضي، وعلى التوافق بدل المواجهة… وهي ثقافة تحتاج إلى ترسيخ تدريجي عبر التكوين والتحسيس والممارسة.

    وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في وجود نص قانوني متقدم، وإنما في مدى تنزيله على أرض الواقع، وفي قدرة الفاعلين القانونيين والاقتصاديين على استيعاب فلسفته وتبني آلياته… إذ إن القانون، مهما بلغ من الدقة والإحكام، يظل مجرد إطار نظري ما لم يجد طريقه إلى التطبيق الفعلي.

    وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب قد خطا خطوة نوعية في اتجاه تحديث منظومته القانونية، من خلال إقرار الوساطة الاتفاقية كأحد أعمدة العدالة الحديثة… غير أن استكمال هذا الورش يظل رهيناً بتعزيز الثقة في هذه الآلية، وتطوير بنيتها المؤسساتية، وضمان تكاملها مع القضاء الرسمي دون تعارض أو تنازع.

    وخلاصة القول، أن الوساطة الاتفاقية تمثل تجسيداً عملياً لفكرة العدالة التوافقية، التي لا تكتفي بحسم النزاع، وإنما تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الأطراف على أسس جديدة من الثقة والتفاهم… وبالتالي، فإن مستقبل العدالة، دون ريب، يتجه نحو نماذج هجينة تجمع بين الصرامة القانونية والمرونة التوافقية، في أفق تحقيق توازن دقيق بين حماية الحقوق وضمان النجاعة.

    إنها، في نهاية المطاف، عدالة تعيد الاعتبار لإرادة الأطراف، وتمنحهم زمام المبادرة في تدبير خلافاتهم… عدالة لا تُفرض من الخارج، وإنما تُبنى من الداخل… عدالة تنسجم مع روح العصر، وتستجيب لرهانات الاستثمار، وتؤسس لأفق قانوني أكثر استقراراً وفعالية.