الحيازة العقارية بين التحصين الجنائي وإعادة التكييف القضائي: قراءة تحليلية في كتاب “جريمة انتزاع عقار من حيازة الغير في قضاء محكمة النقض (2008–2025)” للدكتور عبد العزيز البعلي.

  • بتاريخ : أبريل 16, 2026 - 12:34 م
  • الزيارات : 91
  • بقلم: حبيل رشيد.

    لا شك أن التحولات المتسارعة التي يشهدها الحقل القانوني بالمغرب، خاصة في شقه المرتبط بالمنازعات العقارية، أفرزت حاجة ملحّة إلى إعادة بناء المفاهيم القانونية على ضوء الاجتهاد القضائي المتراكم… ومن هذا المنطلق، يندرج مؤلف الدكتور عبد العزيز البعلي ضمن الأعمال العلمية التي لا تكتفي بالرصد الوصفي، وإنما تنخرط في تفكيك البنية العميقة للاجتهاد القضائي، بما يكشف عن منطق اشتغاله وأفق تطوره.

    ومن المؤكد أن اختيار موضوع “جريمة انتزاع عقار من حيازة الغير” لم يكن اعتباطياً، حيث إن هذا النوع من الجرائم يطرح إشكالات مركبة تتقاطع فيها قواعد القانون الجنائي مع مقتضيات القانون المدني، كما تتداخل فيه اعتبارات حماية الحق العيني مع ضرورات صون الاستقرار الاجتماعي… وبالتالي، فإن المقاربة التي اعتمدها المؤلف جاءت لتؤسس لفهم جديد للحيازة، باعتبارها وضعية قانونية واقعية تستحق الحماية لذاتها، لا مجرد امتداد لحق الملكية.

    ومن ثم، فإن الدراسة التي غطت الفترة الممتدة من سنة 2008 إلى سنة 2025، تكشف بوضوح عن مسار اجتهادي متدرج لمحكمة النقض، انتقل من مرحلة التردد المفاهيمي إلى مرحلة الاستقرار النسبي في التكييف القانوني… إذ إن المحكمة، ومن خلال قراراتها المتواترة، عملت على إعادة صياغة مفهوم الحيازة في بعدها الجنائي، بما يجعلها محلاً للحماية المستقلة متى توفرت شروطها القانونية من علنية وهدوء واستمرارية.

    وعلاوة على ذلك، يتبين أن هذا التحول لم يكن مجرد تعديل شكلي في التفسير، وإنما يعكس توجهاً قضائياً واعياً بضرورة التوفيق بين مقتضيات الشرعية الجنائية ومتطلبات الواقع العقاري… حيث إن النزاعات المرتبطة بالحيازة غالباً ما تتسم بالتعقيد والتشابك، الأمر الذي يفرض على القضاء اعتماد مقاربة مرنة، قادرة على استيعاب الوقائع دون الإخلال بضوابط القانون.

    وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لمحكمة النقض في تكريس وحدة الفهم القانوني بين القضاء المدني والزجري، إذ إن التداخل بين المجالين لم يعد يثير تناقضاً في التطبيق، بقدر ما أصبح يعكس تكاملاً وظيفياً يهدف إلى تحقيق الأمن القانوني… ومن الثابت أن هذا التوجه يعزز من انسجام المنظومة القضائية، ويحد من تضارب الأحكام، بما يرسخ الثقة في العدالة.

    كما أن من أبرز ما خلص إليه المؤلف، تأكيده على أن الحماية الجنائية للحيازة لم تعد رهينة بإثبات الملكية، حيث إن القضاء أصبح يجرّم كل سلوك من شأنه المساس بالحيازة المادية، متى كان من شأنه الإخلال بالنظام العام العقاري… وهو ما يتجلى في إدانة الأفعال التي تقوم على الخلسة أو التدليس أو العنف، حتى في الحالات التي يدعي فيها الفاعل امتلاكه للحق، طالما أنه سلك مسلكاً مخالفاً للقانون.

    ومن ثم، فإن هذا التوجه يعكس تحولاً نوعياً في فلسفة التجريم، حيث انتقل التركيز من حماية الحق العيني في حد ذاته إلى حماية الاستقرار الاجتماعي المرتبط بالحيازة… إذ إن استقرار المعاملات العقارية يقتضي صيانة الوضعيات القائمة إلى حين حسم النزاع بطرق قانونية مشروعة، بعيداً عن منطق القوة أو فرض الأمر الواقع.

    إضافة إلى ذلك، فإن القيمة العلمية لهذا المؤلف تتجلى في منهجيته القائمة على التحليل التراكمي للاجتهاد القضائي، حيث لم يكتف المؤلف بعرض القرارات، وإنما سعى إلى استنباط القواعد العامة التي تحكمها، بما يحولها من مجرد أحكام متفرقة إلى منظومة قانونية منسجمة… وهو ما يمنح هذا العمل بعداً تأصيلياً يسهم في تطوير الفقه القضائي المغربي.

    كما أن إدراج ملحق توثيقي يضم نماذج مختارة من قرارات محكمة النقض، يعكس وعياً منهجياً بأهمية الربط بين النظرية والتطبيق… حيث إن هذا التوجه يتيح للباحثين والممارسين الوقوف على الكيفية التي يتم بها تنزيل القواعد القانونية على الوقائع، بما يعزز الفهم العملي للنصوص.

    ومن زاوية أخرى، يطرح هذا العمل إشكالية حدود تدخل القضاء الزجري في منازعات ذات طابع مدني، حيث إن التوسع في الحماية الجنائية قد يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ الشرعية وتفادي ازدواجية المتابعات… غير أن ما يميز الاجتهاد القضائي المغربي، كما رصده المؤلف، هو حرصه على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الردع وضمانات المحاكمة العادلة.

    وبالتالي، فإن هذا المؤلف لا يمثل مجرد إضافة كمية إلى المكتبة القانونية، وإنما يشكل لبنة نوعية في مسار تأصيل الحماية القانونية للحيازة العقارية… حيث إنه يفتح المجال أمام نقاش علمي معمق حول حدود التكييف الجنائي، وآفاق تطوير التشريع بما يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال العقاري.

    ومن المؤكد أن مثل هذه الدراسات تسهم في إعادة الاعتبار للاجتهاد القضائي كمصدر فعلي للقانون، إذ إن القواعد التي بلورتها محكمة النقض لم تعد مجرد تطبيق للنصوص، وإنما أضحت تؤدي وظيفة إنشائية تسد الفراغ التشريعي وتواكب تطور الواقع… وهو ما يعزز من دور القضاء في تحقيق الأمن القانوني وترسيخ دولة القانون.

    وعليه، يمكن القول إن عمل الدكتور عبد العزيز البعلي يقدم قراءة عميقة لمسار قضائي غني بالدلالات، ويؤكد أن الحيازة لم تعد مجرد وضعية عرضية، وإنما أضحت مؤسسة قانونية قائمة الذات، تحظى بحماية متعددة الأبعاد… حماية تتجاوز حدود النص لتلامس جوهر الاستقرار الاجتماعي، وتكرس في الآن ذاته سيادة القانون كإطار ضابط للعلاقات العقارية.