رحليك اليوم، رفيق درب النضال، أخي وأستاذتي، سيدي عبد الله العشاب، نزل خبره علي، وعلى كل مكونات المنتدى الوطني لحقوق الإنسان، وعلى كل الأهل والأحباب، وعلى الرفقة والأصحاب، وعلى الجيران والزملاء، كالصاعقة..
ترحل عنا اليوم، أستاذي وقدوتي، من غير توديع.. وترقى روحك الطاهرة إلى الرفيق الأعلى، ونحن بعد مازلنا عطشى للقائك.. عطشى لمجالستك.. عطشى للحديث إليك، عطشى للنهل من طيبوبتك التي لا تنضب، وللاقتداء بمواقفك التي تسلب العقل وتُعجب؛
أستاذتي وقرة عيني، سيدي عبد الله، أيتها القامة الأخلاقية العالية، يا شجرة المعرفة العالية، ونغمة الأبوة الصافية، يا مناضلا للنضال عنوانا، يا طيبا للود صنوانا:
أقف اليوم أمام روحك الطاهرة ترحما والقلب يعتصر لفراقك تألما؛ ترحل عنا اليوم، والعين لم تشبع بعد من النظر إليك..
إن حاولت جاهدا تعداد محاسنك، أو جرد مكارم أخلاقك، أو استحضار مواقفك، ما استطعت الإحاطة بها، ولا تحديد أبعادها ولا معالمها..
أسوار مكناس الزيتونة، حزينة اليوم لرحيلك.. ما سينطقها بعدك؟ ما سيفك ألغازها دونك؟ من سيجعلها تقوم من أنقاضها، وتنفض عنها غبار النسيان.. غيرك؟
تتسارع الذكريات على قلمي.. تتسابق.. تتدافع.. وكل لحظة من تلك اللحظات، التي حصل لي فيها شرف تجاذب الحديث معك، تطوقني.. تحاصرني.. تسائلنا هل فعلا رحلتَ عنا.
فأخجل أن أصارحها القول.. أخجل أن أقول لها، أنني من دونك تائه هيمان.. أنني فعلا قد فقد البوصلة..
الدموع تبلل لحيتي، والوحدة سلبت حيلتي..
كم من مشاريع خير بنيناها معا.. وكم من برامج أمل سطرنا معا.. أحلام كبيرة كِبَرَ الوطن كانت تجمعنا..
وها أنت اليوم ترحل، وبرحيلك المفاجئ تتوقف عقارب الساعة، لتفسح المجال لكلمات رثاء صادقة في حقك، وإن كانت لا تفيك حقك.
فأنت أكبر من عبارات تعدد محاسنك.. أنت أكبر من عبارات تعازٍ نقدمها لأمك الطيبة، وزوجك الكريمة وبنيك البارين..
أنت أكبير من الحياة التي كتب الله لك أن تعيشها.. امتهنت تدريس الرياضيات، فعلمتَ أجيالا وأجيالا.. وزرعت خيرات وخيرات.. فقدمت صدقات جاريات، ستظل حسناتك معها تتوالد وتتناسل بإذن الله إلى يوم الدين..
أجل أنت أكبر من الحياة.. وأكبر من الموت الذي اختطفك من أهلك.. من أحبائك.. من زملائك.. من جيرانك.. من أحلامنا جميعا.. ومن أحلامك !
حزن سميك، يخيم على كل مكونات المنتدى الوطني لحقوق الإنسان لرحيلك..
تنفست النضال منذ ولادتك.. وعشت النضال حتى آخر رمق من حياتك، من داخل المستشفى حيث أسلمتَ الروح لبارئها، وقبيل أن تدخل في غيبوبتك الثانية، شهرت قلمك في وجه الظلم والحكرة والتهميش.. واصفا الوجبات البئيسة التي يتلقاها المرضى الذين لا حول ولا قوة لهم..
وها أنت اليوم تصعد إلى الجنان بإذن الله.. لا ظلم هناك.. لا تعب.. ولا انشغال بهموم الدنيا ومظالمها..
ها أنت اليوم بين يدي الرحمان الرحيم.. فنم قرير العين، أيها الأخ والصديق والأستاذ والمعلم..
ولا تنسى أن تدعو لنا ربك بالصواب والهداية والثبات على درب النضال على الحق.
أما عبد ربه، فليس بوسعي سوى أن أذرف دمعا غزيرا صادقا لفراقك، وأنا أتلو آيات من الذكر الحكيم ترحم على روحك الطاهرة:
“يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي”
“وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ مِن رّبِهِم وَرَحمَةٌ وَأولئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ”
( مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا )
سلام على روحك الطاهرة، أيها الغائب الحاضر.
بقلم ذ. محمد أنين

إرسال تعليق