يا ليته كان حمامة

  • بتاريخ : أبريل 3, 2020 - 6:46 م
  • الزيارات : 124
  • خديجة برعو أستاذة باحثة

    للمطلعين على الأدب الألماني ، لا بد أنهم يتذكرون الرواية الشهيرة “الحمامة” للكاتب الألماني باتريك زوسكند . تحكي الرواية قصة رجل خمسيني إسمه “جوناثان نويل” يعيش حياة رعب و ذعر كبيرين ، كان جوناثان جنديا في حرب الهند الصينية ، اختفى والداه و هاجرت أخته الوحيدة بينما هربت زوجته رفقة عشيقها ليستقر به المطاف حارسا لبنك في باريس لمدة 30 سنة.

    الغريب في الأمر أن جوناثان قضى الثلاثين سنة هاته في رعب كبير ، داخل غرفة صغيرة في فندق ، طولها ثلاثة أمتار و عرضها متران ، فيها سرير و طاولة و كرسي ، حياته مملة و رتيبة تطبعها العزلة ، دائما يعيش خائفا و متشائما و مذعورا …و السبب هو الحمامة ، حمامة و جدها ذات صباح قرب باب غرفته في الفندق . شكلت الحمامة رعبا هائلا و شبحا مخيفا ل جوناثان ، كل دقيقة و كل برهة و كل ساعة يتخيل أنه سيصاب بجلطة دماغية أو قلبية أو بانهيار عصبي و يفكر ألف مرة كيف سيخرج من باب الغرفة لعمله و الحمامة رابضة قرب الباب…و حتى إن خرج فبشق الأنفس، بل بلغ به الأمر أحيانا  أنه كان يقضي حاجته داخل غرفته خوفا من الذهاب إلى المرحاض الذي يوجد بممر خارج الغرفة.

    هذا هو حالنا اليوم مع فيروس كورونا ، ذعر و خوف كبيرين ، لكن يا ليت هذا الفيروس كان حمامة ، على الأقل كنا تخلصنا منها و خرجنا من بيوتنا و انتهى الأمر.

    العبرة من الرواية ، هي أن الإنسان يجتاز فترات من حياته -خوفا من شيء ما- فيهتز توازنه النفسي و الذهني وتتدمر قدراته  و طاقاته و يضعف كليا و هذا ما لا يريده الكاتب الألماني الذي يتهكم على ضعف بطله.

    لكي ننتصر – و سننتصر- يجب أن نسحق الخوف والضعف اللذان يستبدان بنا في هذه الظروف العصيبة و لنبق أقوياء في مواجهة هذا الفيروس ، و يكفي أن نسترجع جوانب مختلفة من تاريخنا الكبير كي نكتشف أنه لا شيء يواتينا غير الشجاعة ولا يليق بنا غير القوة و الصمود.

    لقد  تعرض بلدنا -كما غيره من المجتمعات البشرية- منذ العصور القديمة مرورا بالعصور الوسطى و حتى في الفترات الحديثة (خاصة القرن 18 و 19 ) لأقوى و أقسى أنواع الأوبئة و الأمراض : طاعون أسود و كوليرا و جذري و ملاريا و تيفويد و مجاعة… خضع الناس خلالها للحجر الصحي و ل “الكرنتينة” و في وقت عز فيه الدواء و اللقاح ، كان عزاء الناس الوحيد هو الصبر و التضرع و الإبتهال لله عز وجل.

    نحن شعب لم يضعف أو يهتز يوما ما …سننتصر على هذا الفيروس إكراما لهذه الأرض التي تكره الفراغ : أرض تنبض حياة و لونا  و عشقا ، ولا تعرف معنى للغياب ، أرض يختلف ليلها عن نهارها و شتاؤها عن صيفها ، ليل مطرز بحكايا الجدات  الجميلة ، و شتاء تغمرك بمطرها الذي يطهرك من شوائبك فتولد معه من جديد  ،  ضجيج الأطفال في الأحياء و الأزقة يحيي ما مضى بداخلك ، رائحة الخبز المعجون بفرح الأمهات  تعيدك لأصلك الأول ،  حلوى العيد و دفء الأجداد و شقاوة الأحفاد و تفاصيل العيد الكثيرة تجعلك متيما بهذه الأرض و أهلها حد الذوبان، أذان المساجد  التي تبعث  فيك قوى روحية دفينة و مطمئنة ،المقاهي الممتلئة  تشدك بعبقها الذي لا يقاوم ، عبق منبعث من كؤوس الشاي و ممزوج بثرثرة الجالسين مما يمنحك امتدادا و فرحا لا حدود لهما ،  شعب كريم بالفطرة و منذور للعشق و الطيبة ، يكفي أن تطلب عونا بسيطا فتجد ألف يد ممدودة  إليك، شعب لا يعرف المستحيل ، في الشدائد و الأزمات تجده درعا أماميا كما اليوم و في وقت الرخاء تجده راضيا مرضيا ، كتبت عن بطولاته قصصا تتحدى الزمان و المكان….سننتصر لا محالة ، لأن على هذه الأرض -أرض المغرب الجميلة- ما يستحق الحياة.