صرخة من تحت الرمال: حوار بين شهيد ومسؤول رفيع

  • الكاتب : رشيد العيرج ابن شهيد حرب الصحراء المغربية
  • بتاريخ : أغسطس 12, 2026 - 8:01 م
  • الزيارات : 13
  • صرخة من تحت الرمال: حوار بين شهيد ومسؤول رفيع

    من دار الآخرة إلى الجهات المسؤولة في الدنيا

    الحلقة الاولى

    الليل في الصحراء ساكن. لكن تحت الرمال التي ارتوت بالدم الطاهر، لم يغمض لشهيد جفن.

    من “دار الحق” صعد صوت. ليس صوت رصاص هذه المرة، بل صوت سؤال.

    وقف الشهيد وجهاً لوجه أمام مسؤول عن ملف شهداء الواجب. وجه الشهيد عليه غبار المعركة، وعيناه تريان ما لا تراه عيون الدنيا.

    الحوار

    الشهيد: السلام عليك أيها المسؤول. جئتك لا لأشكرك. جئتك لأسالك.

    أنا الذي تركت زوجتي عروساً في ريعان الشباب، وتركت أطفالي رضّعاً، وذهبت. ذهبت لأجل “وحدة التراب”. لأجل راية فوق العيون.

    قل لي بالله عليك: هل وفينا؟

    المسؤول: رحمة الله عليكم. تضحياتكم تاج على رؤوسنا. الدولة لن تنسى أبناءها…

    الشهيد: يقاطعه بصوت يهز الحصى:

    لن تنسى؟ إذن لماذا أرى أرملتي من فوق؟

    أراها تحمل الدواء بيد، وتعد النقود باليد الأخرى. المعاش “هزيل” لا يكفي لشهر، والأمراض تنخر جسدها.

    أهذا هو التكريم الذي وعدتمونا به؟ كرامة لزوجة من مات لأجلكم؟

    المسؤول: يرتبك ويمسح عرقه… هناك إجراءات، وملفات، وميزانيات… نحن نعمل على تحسين الوضع…

    الشهيد: وتحسين الوضع؟ وماذا عن أبنائي؟

    أكبرهم تجاوز الأربعين. شهادة أبيه معلقة على الحائط، والبطالة معلقة في عنقه.

    يتقدمون للوظيفة فيقال لهم “المناصب محدودة”. يطرقون الأبواب فيرد عليهم “الملف يدرس”.

    أهذا جزاء من دفع الأب حياته عربوناً للوطن؟ أن يعيش الأبناء في التهميش وضيق الحال؟

    المسؤول: صوته يخفت… الدولة تقدر… وهناك برامج للإدماج… وسنعطي الأولوية…

    الشهيد: بمرارة:

    كم مرة سمعت كلمة “سنعمل” و “نعدكم”؟

    لقد سمعتها من قبلك. ومن قبل من سبقك.

    وعودكم صارت مسكنات. ومسكناتكم صارت هروباً إلى الأمام.

    ونحن تحت التراب ننتظر. وأهلنا فوق التراب يتألمون.

    المسؤول: يخفض رأسه… الوضع معقد… هناك اكراهات…

    الشهيد:

    يعلو صوته فجأة:

    أي إكراه أكبر من الموت؟

    أي ميزانية أغلى من الدم؟

    نحن لم نطلب بناطحات سحاب. طلبنا كرامة.

    طلبنا لأرملة ألا تتسول الدواء.

    طلبنا لابن الشهيد ألا يحمر وجهه خجلاً أمام أصدقائه.

    طلبنا اعترافاً بحجم التضحية. لا بورقة، بل بفعل.

    الخاتمة: الصرخة

    ساد الصمت. صمت أثقل من رمال الصحراء.

    ثم ارتجت الأرض. وخرجت من تحت القبور صرخة.

    صرخة ليست من فم واحد، بل من مئات الأفواه الطاهرة المدفونة من طانطان إلى الكويرة.

    صرخة اخترقت أجواء الصحراء المحررة بدمائهم،

    وعبرت جبال الأطلس،

    ووصل صداها إلى أبواب الرباط.

    صرخة تقول:

    “يا أهل الوطن… أكرموا من أكرمكم بدمه.

    فوالله ما متنا لنُنسى… وما ضحينا لنُهمّش.”

    فهل من آذان صاغية؟

    الحلقة الثانية

    بعد الصرخة: محضر من تحت الرمال

    الحلقة 2 – الرباط، ليلة الأربعاء 5 غشت 2026

    وصلت الصرخة.

    لم تكن صرخة عادية. اخترقت جدران الوزارات، وأيقظت المكاتب المغلقة، وهزت أرشيفاً نام لأكثر من أربعة عقود.

    في نفس الليلة، استُنفرت كل الأجهزة بالعاصمة.

    قاعات الاجتماعات أُضيئت. هواتف المسؤولين رنّت. ولأول مرة منذ زمن، اجتمعت لجان كثيرة في وقت واحد: لجنة للمعاشات، لجنة للسكن، لجنة للإدماج، لجنة للاعتراف.

    الهدف واحد : نفض الغبار عن ملف شهداء الوحدة الترابية.

    طاولة المفاوضات

    على طاولة مستطيلة جلس “المسؤول” الذي واجه الشهيد من قبل. وجهه شاحب. أمامه ملفات مصفرة.

    وفي المقابل… لم يجلس أحد.

    لكن القاعة كانت ممتلئة.

    حضر المفاوضات عدد من شهداء الواجب. أرواحهم كانت هي الحاضر الأقوى.

    ومن “دار الآخرة” كان آلاف من شهداء الوحدة الترابية يتابعون. عيونهم على كل كلمة، على كل فاصلة.

    وفي الدنيا، كانت آلاف الأسر، والرأي العام الوطني والدولي، والهيئات الحقوقية تتابع البث وتنتظر.

    صوت من الغيب قطع الصمت:

    الشهيد: جئنا لا لنفاوض على حقنا. جئنا لنشهد على توقيع الحق.

    أربعة عقود من الانتظار كافية. أراملنا شابت، وأبناؤنا هرموا وهم ينتظرون “الملف قيد الدراسة”.

    المسؤول: يتنهد بعمق… وصلت الرسالة. لا يمكن الاستمرار هكذا.

    نلتزم اليوم أمام الله، وأمامكم، وأمام التاريخ.

    استمرت المفاوضات لساعات متأخرة من ليلة الأربعاء 5 غشت 2026.

    نوقشت الأرقام. نوقشت الكرامة. نوقش النسيان.

    وكلما حاول أحد “الهروب إلى الأمام” تذكّر صرخة الصحراء.

    المحضر المشترك

    مع اقتراب الفجر، وقّع الطرفان على محضر.

    محضر ليس حبراً على ورق فقط. هو عهد.

    البند الأهم فيه:

    “تسوية ملف شهداء الوحدة الترابية في شموليته، بكل أبعاده المادية والمعنوية والاجتماعية، قبل فاتح يناير 2027.”

    لا “سنرى”. لا “سنعمل”.

    تاريخ محدد. وسقف زمني.

    الخاتمة: شهود على العهد

    قبل أن يختفي ضوء الفجر، ارتفع صوت آخر من دار الآخرة:

    الشهيد: إلى ذلك الحين…

    كونوا شهودا. من دار الآخرة إلى دار الدنيا.

    راقبوا التنفيذ بنداً بنداً.

    راقبوا تعديل المعاش ليتماشى مع حجم تضحيات الشهداء ومع ارتفاع غلاء المعيشة ومع الأمراض المزمنة التي تعاني منها الأرامل.

    راقبوا ابن الشهيد وهو يلج الوظيفة بكرامة.

    راقبوا الملف وهو يُطوى بعد 40 سنة.

    فقط عندها… فقط عندها سنغمض أعيننا ونحن مرتاحون.

    مرتاحون على أرواحنا الطاهرة،

    ومرتاحون على حقوق ذوينا.

    وانتهى الاجتماع.

    لكن العهد بدأ.

    الرباط – 5 غشت 2026 – الساعة تشهد_

    بقلم رشيد العيرج ابن شهيد حرب الصحراء المغربية