إدريس الأندلسي
لماذا لا يتم تقييم السياسات العمومية و القطاعية بمهنية . الخوف من المحاسبة كبير جدا جدا.
أصبحت كثير من القنوات و المواقع الإخبارية أكثر استجابة لانتظارات المواطنين في مجال تحليل الخطاب الرسمي الحكومي . و أصبح تتبع الحدث السياسي أكثر حضورا و موضوعية على بعض هذه المواقع بالقياس مع التغطية الإعلامية العمومية و الرسمية ، و التي تطول زمنيا و تتسع لكل ما هو خطاب رسمي. و لهذا تستضيف قنواتنا التلفزية كثيرا من صناع ” الرأي ” ، و من الوزيرات و الوزراء الأكثر طلبا للحضور الإعلامي. يستقبلون بكثير من البروتكول الإعلامي، و يتم التعامل معهن و معهم بكثير من ” الألفة ” الإجتماعية التي تحاول أن تتعدى ذلك الحاجز المهني المطلوب في تدبير العمل الصحفي الذي يحظى بالمصداقية. تابعت، بكثير من التركيز، حوارات كثيرة على كثير من القنوات مع وزراء و قياديين من الأغلبية. تبين لي أن أغلب المحاورين( بفتحة على الواو) يشعرون بكثير من الارتياح نظرا لسهولة الأسئلة التي يطرحها المحاورون ( بخفضة تحت الواو ) . و قد كانت أكثر لحظات البرامج ضعفا هي تلك التي تعلقت بتغييب تقييم السياسات العمومية و القطاعية، و من ضمنها السياسات الطاقية و الفلاحية و الإجتماعية و الصناعية و كل البرامج التي تطلبت استثمارات مالية و مؤسساتية كبيرة . و للتذكير فإن التقييم لا يقف عند أرقام الصرف و لا على سرد الأمتار المكعبة من الأسمنت المسلح ، و لا على عدد الكيلومترات من الطرق ، و لا على عدد البنايات الموجهة للتعليم و الصحة فقط . التقييم يركز بالأساس على آثار المشاريع و السياسات، التي ترتبط بها ، على الأهداف و المستهدفين من الفئات و الطبقات الإجتماعية. يجب الإعتراف بأن بلادنا أنجزت الكثير من البنيات الصحية و التعليمية، و ظل الولوج إلى العلاجات، و تحسين الخدمة التعليمية ضعيفان بمقاييس كل المؤسسات الوطنية و الدولية. و سيظل السبب في غياب و رفض تقييم آثار صرف مئات الملايير من الدراهم مرتبطا بتلك الأسباب التي ترفض تفعيل الدستور في ربط المسؤولية بالمحاسبة. و سيظل ذلك التقنوقراطي الكفؤ ينظر إلى السياسية بشيء من الاحتقار لأنه يعتبر المحاسبة السياسية مجرد شعار، و لعبة تؤكد قدرته على السيطرة على مشهد مجالس منتخبة أغلب اعضاءها لهم مشكلة مع حرف ” الواو الذي يشبه ” عصا الطبال”. و هكذا أصبحت اللعبة السياسية تتلخص في توازن البحث عن ” المرشح ذو المال و الحضور الترابي ” مع التنقيب عن تقنوقراط يبحثون عن مكان في سوق الاستوزار المؤدي إلى مزايا أكبر من تلك التي كانت لديهم قبل استقطابهم.
و لا يمكن للملاحظ أن لا يشير إلى تفادي الوزراء الجدد، في مجال ممارسة السياسة ، ربط عملهم التقنوقراطي بانتمائهم ” السياسي” ، غير المؤكد ، لحزب الأصالة و المعاصرة و لحزب التجمع الوطني للأحرار و حتى لحزب الاستقلال و لأحزاب أخرى. و هذا هو شأن الكثير ممن نودي عليهم لتسلم حقائب وزارية بإسم أحزاب لم تكن لهم و لهن أي معرفة سابقة مع أحزاب أو ولاء لسياسة أو حتى انخراط في جمعية. و حين ينفرط عقد أغلبية، يعود المقاولون للمقاولة، و يرجع كافة التقنوقراط إلى حيث ينتظرهم أولياء نعمتهم الحقيقيون. و لا يجب أن ننسى أن اللوبيات لديها ثقافة الإعتراف بمن خدم مصالحها في كل المواقع.
تحتاج بلادنا إلى كل الكفاءات لكي تغطي النقص الحاصل في تدبير كل السياسات العمومية. و لا يمكن إنتظار العجب ” العجاب ” من التقنوقراط، و ذلك لأن إختيار السياسات يرجع بالأساس لمن يمتلك القرار السياسي. قد تتم عمليات الاستشارات التقنية مع كل المهنيين، و لكن الخبير و المستشار و المهني الكبير لا يكتب البرنامج الحكومي و لا يلتزم بتنزيله على أرض الواقع. نعم نحتاج إلى الكفاءات كرأسمال معرفي، و لكن احتياجنا إلى الإرادة السياسية أكبر بكثير. البرنامج السياسي، في معناه الكبير، هو تخطيط لمستقبل قطاعات اقتصادية و إجتماعية، و هو، في الأساس، إختيار يهم مصير شعب و اقتصاد و طرق لضمان عدالة إجتماعية و مجالية شاملة، و قد تصبح ” شمولية ” بفعل عمق الفوارق بين مختلف الفئات الإجتماعية. و سيظل ضعف تغيير الواقع الإجتماعي عنوان مرحلة امتدت لعقود في بلادنا. كيف تختار أحزاب الأغلبية وزراء صحة و تعليم و فلاحة و ثقافة و شغل لا يحملون سوى شعارات، و لا يعترفون بضعف آثار الصرف على قطاعات حيوية . و سيظل المستمع للخطاب الحكومي بشأن الإنجازات غير قادر على ربط عطالة الشباب و النساء بما قاله رئيس الحكومة من ” أحلام “. و سيظل رب الأسرة يدخل على أبناءه بقفة ينقص وزنها كل يوم. و ستظل الأسعار تلتهب لتغني اقلية في مجالات الخضر و الفواكه و اللحوم و الأسماك و العقار و النقل . و سيظل قانون العرض و الطلب سيفا مسلطا على ذوي الدخل المحدود. و سنجد التقنوقراط داخل الحكومة و في مجالس الحكامة يبررون تراجع القدرة الشرائية بأرقام لا يعرفون هزالتها إلا هم . و سنظل نطرح سؤال مردودية مجالس و غيرها في مجالات منافسة و حقوق الإنسان و اقتصاد و جالية و بيئة ، و غيرها ممن خلقوا لتأثيث مشهد مؤسساتي أصبح غير ذي جدوى. يقع هذا في وجود مؤسسات رقابية و ذات تاريخ كبير و كفاءة أكبر و على رأسها المفتشية العامة للمالية و يليها تاريخيا المجلس الأعلى للحسابات و المفتشية العامة للإدارة الترابية و غيرها من المفتشيات القطاعية. لا يمكن أن ننكر الإمكانيات الرقابية للمؤسسات الموجودة، و لا يمكن أن لا نتذكر تلك الإرادة التي ارخت بظلال قوتها على برمجة و حركة المؤسسات الرقابية منذ أكثر من عقدين من الزمن . و لا زال المتتبعون المتخصصون يتحسرون على ما تعرضت له تلك المؤسسات من محاولات لتشويه مهامها و تقليص أدوارها الرقابية . حاول اؤلئك الذين يعترضون على ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى تحويل المفتشيات العامة إلى ” مراكز ” دراسات حول القدرات التدبيرية، و افتحاصات الموارد البشرية و الأنظمة المعلوماتية، و تشخيص نواقص المراقبة الداخلية. و هو ما يعد ابعادا للمفتشيات ، و خصوصا للمفتشية العامة للمالية عن ادوارها التاريخية التي انيطت بها منذ أكثر من أكثر من ستين سنة. و لا يمكن أن ننتظر من المؤسسات الرقابية أن تقوم بدور مهم في مجال تقييم السياسات العمومية و القطاعية. يعد هذا الأمر في كثير من الدول من اختصاص القطاع السياسي كما هو الشأن في فرنسا حيث يوجد مجلس الشيوخ كمؤسسة تتعامل مع التقييم بمهنية عالية بمشاركة من طرف ذوي الاختصاص في كافة المجالات. لكل ما سبق أتمنى أن يتواضع المجلس الأعلى للحسابات عبر عدم نشر ما يسميه تقييما للسياسات العمومية و القطاعية.
جربنا الكثير من أشباه الحلول للوصول إلى نتائج قطاعية حسب ما تم تقديمه من طرف الوزراء و رؤساءهم . و ظلت نتائج كثير من السياسات القطاعية دون ما كنا ننتظره. و تشمل هذه النتائج قطاعات كالفلاحة و التربية و الصحة و التعمير. قدم لنا رئيس الحكومة، حين كان وزيرا كبيرا، و ذو صلاحيات واسعة في مجال التنمية القروية ، فاقت صلاحية رئيس الحكومة آنذاك، و الذي كان أول رئيس حصل حزبه على أكبر نسبة من المقاعد في البرلمان. و خاض بن كيران تجربة فريدة دون أن يمتلك سلطة القرار في تسليم أمور إستراتيجية لحلفاء تنكروا لثقة، عكست نوعا من ” السذاجة ” السياسية. و لا يمكن لعاقل أن تنطوي عليه كل الحيل السياسية التي جعلت من عزيز اخنوش غير مساهم في تدبير حكومي انطلق منذ 2008 إلى غاية 2021. إنه العبث السياسي الذي يحول الحكومة إلى لعبة انتخابية تعبث بها المصالح الضيقة و شروط الاستفزاز السياساوي الذي يتنكر بشكل مريب لكل مشاركة سياسية سابقة لتحول وزيرا كبيرا جدا إلى رئيس للحكومة يسمح لنفسه ، بكل جسارة، للتنكر لوجود في عمق القرار الحكومي لأكثر من 12 سنة. و لأن التاريخ عنيد و مفيد لمن يجهل ثقل الفعل و القول، فلقد أصبح من الصعب إقناع المواطنين بأرقام لا علاقة لها بواقعهم المعيشي.
استضافت القنوات التلفزية العمومية، و الاذاعات الخاصة و بعض كبريات مواقع الإنترنت كثيرا من المسؤولين الحكوميين و البرلمانيين ، و كانت البرامج التي استضافتهم تميل إلى نوع من النقاش ” الشعبوي ” الذي يحول المضمون إلى علاقات إنسانية عادية و ” بسيطة” و مغرقة في نوع من ” الحميمية ” و المعرفة الشخصية السابقة و الموغلة في تبسيط و تسطيح قضايا سياسية و اقتصادية و إجتماعية كبرى تستحق الكثير من الجدية و المسؤولية. لا أقول هذا من فراغ، و لا من باب تمجيد الإختلاف، و لكن بحكم تجربة أظن أنها كانت عميقة في محاورة المسؤول السياسي. حاولت، قدر المستطاع، أن احاور كثيرا من أكبر المسؤولين السياسيين خلال سنوات مضت. احترمتهم كثيرا من خلال إعداد البرنامج الحواري بكثير من المهنية و القراءة المختصة لكل الملفات المالية و الإقتصادية ،بمعية صحفيين و مهتمين يحملون هم الوطن ، و بكثير من الوعي تلك التي تتعلق بالقضايا السياسية. و لم أسعى إلى إظهار أي تعبير عن علاقة شخصية مع أي مسؤول. تدبير البرنامج الصحافي يتطلب كثيرا من الإحترام لكل مسؤول، و كثيرا من الصراحة التي لا تتجاوز حدودا دنيا من اللياقة الأدبية ، بما في ذلك طرق مخاطبة المسؤول أو المسؤولة. و أصبح كثير من صحافيي التلفزيون و الإذاعات يديرون كثيرا من الحوارات مع المسؤولين بكثير من المجاملة و أيضا بكثير من العدوانية المستفزة. و غالبا ما تغيب المهنية و يغيب تملك أدوات معرفة مواضيع النقاش و القدرة على قراءة السياسات العمومية و القطاعية. و يتحول البرنامج الحواري إلى حديث عادي يبسط آثار سياسة على الإقتصاد و على المجتمع، و يحاول إخفاء قضايا مردودية الفعل السياسي و المستفيدين من القوانين التي تصوت عليها أغلبية تساند الحكومة.
و لا بد من التأكيد على أن بعض البرامج الحوارية تنخرط في تسويق سلعة سياسية بالمفهوم المنحط للكلمة. تأتي الوزيرة و الوزير و البرلمانيون للاستديو هات لتجد نفسها تحت الأضواء. و لا يمكن أن نقرأ الظاهرة الإعلامية دون ربطها ” بسوق” الابهار ” و تلميع صور بعض الفاعلين الذين نالوا حظوة التواجد في منطقة الأضواء. لم تعد هناك منطقة تخضع لحرية التصرف الموضوعي مع الفعل السياسي. تغلب منطق السوق على البرمجة الإذاعية و الصحفية بصفة عامة. لم أسلم، خلال تسيير برنامج نقاشي إذاعي، من كثير من الضغط الذي وصل إلى حد وقف النقاش و تعويضه بفقرة غنائية دامت لكثير من الوقت.اسضفت ممثلين عن جمعيات حماية المستهلك، فتسببت في خسائر مالية للقناة التي كنت من أحد من مدبريها.
و أصبحت بعد تجربة إذاعية، اعتبرتها غنية بكل المقاييس، امتلك أدوات الفرز بين خطاب صحافي مهني و مسؤول، و بين من يبحث عن تميز مصطنع لكي يستبيح تسليط الأضواء على أداءه الذي يشك فيه كل من درس القواعد الأولى لمهنة الصحافي. و قد وجب رفع كل حجج يسوقها من يروجون لشعار ظاهره كبير، و خفاياه لا تعكس أي إهتمام بالمغرب و تاريخه الكبير، و الذي لا يحتاج إلى من يروجون إلى انبطاح يسمونه ” تمغربييت”. بلادنا تكبر و تزيد في قيمة إشعاعها بالعلم و الثقافة و بقوة بنياتها الإقتصادية و الدبلوماسية. يتقن كل المغاربة خوض الكثير من المواجهات و المعارك للدفاع عن وحدة ترابهم الوطني ، و لا يسمون سعيهم الحثيث بإسم آخر غير تعبيرهم عن وطينتهم التي يضعونها في أسمى المراتب. الانتماء إلى الوطن لا يمكن أن توازيه كلمة سميت ب: تمغربييت” ، و ذلك لأن الانتماء إلى الوطن لا يحتاج إلى صنع شعارات لا تجسد عمق علاقة المغاربة بوطنهم. المواطن يحب الوطن بكل ما يملك. و هذا هو المغربي الذي لا يحتاج إلى كلمات لا تترجم حقيقة حبه لوطنه.
لكل ما سبق لن انخرط في التصفيق للمساحات الإعلامية التي منحت للحكومة خلال الأسبوع الفارط. سمعت لكل ما ورد على لسان رئيس الحكومة فتعجبت لضعف ثقافة من يسكنون ديوانه و يكتبون خطاباته و يحسبون أنفسهم مدججين بأسلحة الأرقام التي لا تقاوم. كان من واجب رئيس الحكومة أن يعلن عن صعوبة القضاء على البطالة. الأمر يتطلب قراءة معطيات من أرض واقع بلادنا عبر الأبحاث اليومية و الأسبوعية للمندوبية السامية للتخطيط. لم تستطع حكومة اخنوش و حزبه أن يترجما وعودا بخلق مليون منصب شغل إلى واقع ( لا يمكن أن يتحول المغاربة إلى منتقمين أو إلى من يرجم بالحجارة من قدم لهم وعدا كاذبا ) . أليس كذلك يا رئيس مجلس النواب . و نفس الأمر يتعلق بخطاب كاذب عن نسبة نمو لم توجد في أي تقرير أو تحليل لبنك المغرب و لا للمندوبية السامية للتخطيط و لا للمؤسسات المالية الدولية. نسبة النمو الحقيقية هي تلك التي تؤثر على القدرة على خلق مناصب الشغل و على الزيادة في القيمة المضافة لكافة القطاعات المكونة للناتج الإجمالي الخام.
أتذكر ذلك اليوم الذي دخلت فيه إلى مكتب المندوب السامي للتخطيط، و قد كنت شاهدا على هجوم عليه من طرف أحد الوزراء. طلبت منه مدي بكل التوقعات التي تتعلق بالمعطيات الماكرواقصادية، فتأكدت. بعد الدراسة، و شهادات دولية، بأن المغرب يمتلك مؤسسة إحصائية معترف بها عالميا. غادر السيد العلمي الحليمي هذه المؤسسة، و خلفه السيد شكيب بن موسى. و قد سبق لي أن أكدت أن مسؤولية المندوبية السامية للتخطيط تجبر حاملها على قول الحق و لا شيء غير الحق. لكل ما سبق سيظل تقييم آثار كل السياسات العمومية على المواطن أهم من أرقام الإنجاز المادي و لو تعلق الأمر بملايين اطنان الأسمنت المسلح. و نذكر السيد عزيز اخنوش بأن الواقع اليوم يبين بأن أسعار المواد الغذائية تناقض كل أهداف المغرب الأخضر و الجيل الأخضر. سنظل ننتظر ذلك اليوم الذي ينتشر فيه ضوء المحاسبة المرتبطة بالمسؤولية. يجب أن نقدم الشكر لكل سياسي، كيفما كان لونه، خدم البلاد و أدخل الطمأنينة على قلوب العباد. و لكن البلاد لا يمكن أن تطمئن و في دوالبها من يعادون المحاسبة و من لا يمتلكون دليلا واحدا على الاغتناء الذي وصلوا إليه. يتمنى بعضهم ذكر الأسماء، و لا يمكن أن نتمنى إلا محاسبتهم وفق القانون الأسمى للبلاد.



إرسال تعليق