يندرج المركب المينائي والصناعي والطاقي الناظور غرب المتوسط ضمن سياسة الأوراش الكبرى، باعتباره أحد المكونات الاستراتيجية لإعادة تشكيل موقع المغرب ضمن المنظومة البحرية والتجارية العالمية. فمن خلال تكامله مع ميناء طنجة المتوسط على الواجهة المتوسطية، وميناء الداخلة الأطلسي على الواجهة الأطلسية، تتعزز قدرة المغرب على إعادة تموقعه ضمن المحاور البحرية الدولية، وترسيخ مكانته قطباً لوجستيا، وصناعيا، وطاقيا، يخدم العمق الإفريقي والمتوسطي.
وعلى المستوى الطاقي، يشكل هذا المشروع رافعة لتطوير البنية التحتية الوطنية للطاقة، وتعزيز التكامل مع ميناءي المحمدية والجرف الأصفر. كما سيوفر، لأول مرة، بنية تحتية متكاملة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال (GNL) وتحويله إلى حالته الغازية، من خلال محطة مخصصة بميناء الناظور غرب المتوسط، قبل نقله عبر خط أنابيب لربطه بشبكة الغاز الوطنية، ومنها بخط أنابيب الغاز المغاربي–الأوروبي (GME)، وصولاً إلى وجهاته النهائية. . سيشمل المشروع إلى جانب الغاز الطبيعي الذي سيوفره مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، منافذ استراتيجية متعددة من شأنها ترسيخ مكانة المغرب كمنصة طاقية منخفضة الكثافة الكربونية. وهو ما من شأنه دعم السيادة الطاقية، وتحسين تنافسية النسيج الصناعي الوطني، وتأمين احتياجات إنتاج الكهرباء، فضلاً عن تعزيز الجاذبية الترابية واستقطاب الاستثمارات.
أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فمن المرتقب أن تمتد الآثار التنموية للمشروع إلى جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وجهة فاس–مكناس، باعتبارهما مجالين ترابيين مجاورين، ومستفيدين من دينامية الاستثمار والبنيات التحتية المرتبطة بالمركب المينائي. وتشير التقديرات إلى إمكانية استقطاب استثمارات تتراوح قيمتها بين 70 و80 مليار درهم على المدى البعيد، بمساهمة القطاعين العام والخاص، إلى جانب إحداث 34 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر على الأمد القريب، و90 ألف منصب على الأمد المتوسط.
وعلى مستوى توطين الاستثمارات، تبرز إلى حدود الآن شركات تنشط أساساً في قطاعي صناعة السيارات والطاقات المتجددة، وهما قطاعان يشكلان ركيزتين أساسيتين في توجه المغرب نحو تعزيز قاعدته الإنتاجية وتنويع صادراته. وفي هذا السياق، تبرز شركة Aelon الصينية، المتخصصة في صناعة توربينات الرياح، ضمن الفاعلين الصناعيين المرتبطين بالمشروع.
وبذلك، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية للمركب المينائي على أبعاده اللوجستية والصناعية والطاقية، بل تتجاوزها ليشكل رافعة لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والمجالية للمملكة، من خلال تعزيز التكامل بين الجهات، وتوسيع المجالات الجاذبة للاستثمار، والمساهمة في الحد من التفاوتات المجالية.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية استثمار الامتدادات التنموية لهذا المشروع لفائدة جهة الشرق والمناطق المجاورة، ولا سيما إقليم الحسيمة، عبر تطوير الربط اللوجستيكي، وتحفيز الاستثمار الصناعي، وإرساء سلاسل قيمة متكاملة بين الأقطاب الاقتصادية المجاورة. فالتحدي لا يكمن فقط في إنجاز بنية تحتية مينائية وصناعية بهذا الحجم، بل في تحويلها إلى محرك للتنمية المندمجة، يتيح توزيعاً أكثر توازناً لثمار الاستثمار والنمو على المستوى الوطني.





إرسال تعليق