لم تكن وفاء عتيد، الشابة المغربية البالغة من العمر 28 عاماً، تتوقع على ما يبدو أن يتحول عبورها سباحة إلى سبتة في خضم موجة الهجرة الجماعية إلى قضية تتجاوز شخصها، لتصبح مادة لنقاش إعلامي وسياسي محتدم في إسبانيا والمغرب.
فخلال أيام قليلة، انتقلت وفاء من مخيمات المهاجرين إلى الصفحات الأولى وواجهات النقاش الرقمي، بعدما أدلت بتصريحات لصحيفة El País تحدثت فيها عن أسباب مغادرتها المغرب، وعن خلافات عائلية وثقافية وإيديولوجية، وعن رغبتها في العيش بإسبانيا بعيداً عن ما تعتبره قيوداً على حرية المرأة.
لكن القصة لم تبقَ عند حدود رواية مهاجرة تبحث عن مستقبل جديد. فبمجرد انتشار المقابلة، بدأت الأسئلة الصعبة تلاحق الرواية.
رواية أولى.. ثم أسئلة محرجة
في تصريحاتها، قالت وفاء إن عائلتها كانت تضع قيوداً على دراستها وسفرها وطريقة لباسها، وإنها لا تريد العودة إلى المغرب بسبب ما تصفه بـ«العقلية» المحافظة التي لم تعد تتوافق مع قناعاتها.
الرواية بدت واضحة ومباشرة، لكن سرعان ما بدأ مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي في البحث عن ماضيها الرقمي.
وهنا ظهرت صور ومنشورات ومعلومات عامة عن سفرها إلى بلدان عدة، بينها قطر والإمارات وتركيا، إضافة إلى معطيات عن الدراسة والعمل في مجال الضيافة، وهو ما فتح الباب أمام جدل واسع حول ما إذا كانت الصورة التي قدمتها المقابلة الأولى تعكس كامل قصتها أم جانباً منها فقط.
وهنا تحديداً تكمن القضية الحقيقية: ليس السؤال هل سافرت وفاء أم لا، بل هل تتعارض هذه الرحلات فعلاً مع روايتها عن القيود التي قالت إنها عاشتها داخل أسرتها؟
فالقدرة على السفر والعمل في مرحلة لاحقة من الحياة لا تثبت، بمفردها، أن الشخص لم يتعرض سابقاً لضغوط عائلية. وفي المقابل، فإن وجود هذه المعطيات يجعل من الضروري التعامل مع الرواية الإعلامية باعتبارها قصة تحتاج إلى تدقيق، لا باعتبارها حقيقة مكتملة.
شبكات التواصل تقلب الطاولة
في زمن الصحافة الرقمية، لم تعد المقابلة التلفزيونية أو الصحفية هي المصدر الوحيد للمعلومات.
ما تقوله اليوم أمام الكاميرا يمكن أن تقابله منشورات قديمة تعود إلى سنوات، وصور من بلدان مختلفة، وسجلات مهنية وتعليمية متاحة للعامة.
وهذا ما حدث في قضية وفاء.
تقارير صحفية عدة تحدثت عن العثور على محتوى قديم في حسابات عامة يحمل اسمها، بينها مواد مرتبطة بوجودها في قطر، ومعطيات عن الدراسة والعمل في دبي، فضلاً عن صور مرتبطة بسفرها إلى دول أخرى.
لكن الإنصاف الصحفي يفرض التوقف هنا: هذه المعطيات لا تثبت تلقائياً أن وفاء كذبت بشأن حياتها العائلية.
فالصور من المطارات والفنادق والسفر لا تكشف بالضرورة طبيعة العلاقة داخل الأسرة، ولا يمكنها وحدها أن تنفي أو تثبت ادعاءات شخصية تتعلق بالضغط الأسري أو المعتقدات أو الحرية الفردية.
وهنا يظهر الفرق بين التحقيق الصحفي ومحاكمة الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي.
هل أخطأت «إل باييس» في تقديم القصة؟
السؤال الأكثر حساسية أصبح موجهاً إلى الإعلام الإسباني نفسه.
هل قدمت El País قصة وفاء في إطارها الكامل؟ أم اختارت من روايتها العناصر الأكثر قدرة على إثارة التعاطف والجدل؟
تقارير لاحقة أشارت إلى أن الصحيفة عادت إلى الحديث معها بعد ظهور الانتقادات، فيما اتهمت وفاء وسائل الإعلام باقتطاع أجزاء من تصريحاتها وإخراجها من سياقها.
إذا صحت هذه الانتقادات، فإن القضية لا تعود مجرد قصة مهاجرة، وإنما تصبح مثالاً على مشكلة أعمق: كيف يمكن للإعلام أن يحول قصة فردية إلى رمز سياسي وثقافي؟
وفي المقابل، لا يجوز أيضاً تحويل وجود صور أو منشورات متناقضة إلى دليل قاطع على أن المؤسسة الإعلامية تعمدت التضليل.
الحقيقة، حتى الآن، أكثر تعقيداً من ذلك.
من الهجرة الاقتصادية إلى «هجرة ألأبوز والتفاهة»
الجانب الأكثر إثارة في قصة وفاء هو أنها كسرت، على الأقل إعلامياً، الصورة التقليدية للمهاجر الاقتصادي.
فهي لم تقدم نفسها باعتبارها شخصاً فر من الجوع أو البطالة فقط، بل باعتبارها شابة تريد تغيير نمط حياتها والبحث عن الحرية والاحترام والعيش في مجتمع ترى أنه أكثر انسجاماً مع قناعاتها.
وهذا النوع من الروايات شديد الحساسية في أوروبا؛ لأنه ينقل النقاش من الفقر والهجرة إلى الدين والمرأة والحرية والهوية الثقافية.
وهنا يكمن الخطر.
فإذا تحولت قصة فردية إلى حكم شامل على مجتمع بأكمله، فإن الإعلام لا يعود ينقل قصة مهاجرة، بل يشارك في بناء سردية سياسية وثقافية عن بلد بأكمله.
فتاة واحدة لا تختصر مجتمعاً
من الخطأ أن تتحول تصريحات وفاء إلى مرآة يُطلب من خلالها الحكم على المغرب كله.
كما سيكون من الخطأ المقابل إنكار تجربتها الشخصية لمجرد ظهور صور سفر أو عمل لها في الخارج.
المجتمعات أكثر تعقيداً من قصة واحدة، والنساء المغربيات لسن كتلة واحدة، كما أن التجارب الأسرية تختلف من أسرة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى.
والأهم أن تجربة وفاء، سواء اتفق معها الناس أو اختلفوا، تبقى تجربة شخصية لا يمكن تعميمها على ملايين المغاربة.
وبين الجدل.. هناك مأساة الهجرة نفسها
المفارقة أن الضجة حول وفاء جاءت في وقت كانت فيه عشرات النساء المهاجرات في سبتة يعشن ظروفاً صعبة للغاية.
فبحسب رويترز، تحدثت مهاجرات عن الخوف من التحرش والاعتداءات الجنسية أثناء إقامتهن في ظروف مؤقتة قرب مركز الاستقبال، في ظل اكتظاظ وصعوبات مرتبطة بالإيواء والحماية. كما تحدثت السلطات عن تسجيل عدد من الشكايات المتعلقة باعتداءات جنسية منذ موجة العبور الجماعي.
وبذلك أصبحت قصة وفاء، paradoxically، تطغى على قصص نساء أخريات لا يملكن مقابلات إعلامية ولا صوراً منتشرة على مواقع التواصل.
وهنا ينبغي أن يعود الصحفي إلى مهمته الأساسية: البحث عن الحقيقة، لا صناعة بطل أو شيطان.
القضية أكبر من وفاء
قضية وفاء عتيد تكشف شيئاً مهماً عن عصر الإعلام الرقمي: المهاجر لم يعد مجرد شخص يعبر الحدود، بل يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى شخصية عامة، وأن تصبح حياته الخاصة مادة للتدقيق الجماعي.
كما تكشف أن الصحافة نفسها أصبحت تحت رقابة جمهور قادر على العودة إلى الأرشيف الرقمي والبحث والمقارنة وكشف ما قد تغفله المقابلات.
لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً:
هل نحن أمام قصة مهاجرة حقيقية ومعقدة تم اختزالها إعلامياً، أم أمام رواية إعلامية لم تُبنَ منذ البداية على كل المعطيات المتاحة؟
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية يمكن أن تحسم المسألة.
والثابت فقط أن وفاء عتيد لم تعد مجرد شابة مغربية عبرت إلى سبتة سباحة. لقد أصبحت عنواناً لمعركة أكبر حول الهجرة، والإعلام، والمرأة، والهوية، وحدود الرواية الشخصية عندما تتحول إلى قضية رأي عام.
وفي زمن تنتشر فيه المعلومة قبل التحقق منها، قد يكون الدرس الأهم من قضية وفاء هو أن الحقيقة لا توجد دائماً في المقابلة الأولى، ولا في الصورة المتداولة، ولا في المنشور الفيروسي؛ الحقيقة تحتاج إلى تحقيق، ومقارنة، ووثائق، ومسافة نقدية.
وذلك تحديداً ما يجب أن تفعله الصحافة الجادة: أن تسأل أكثر مما تصدق، وأن تتحقق أكثر مما تنشر، وأن تضع الإنسان قبل الرواية.




إرسال تعليق