بعض رواتب القطاع العام تعد بعشرات الملايين

  • بتاريخ : مايو 24, 2025 - 10:19 م
  • الزيارات : 51
  • كنت كأقراني فرحين، مبتهجين  و مسرورين بأول راتب تقاضيناه  و نحن من المصنفين في السلم الأعلى 11 في الوظيفة العمومية. كان المبلغ آنذاك لا يتجاوز 2600 درهما. كان هذا في سنة  1983 ، وكان كراء شقة في الأحياء القريبة من الوزارات يتجاوز ألف درهم بقليل. زاد حظنا و تفاؤلنا حين علمنا أن  وزارة المالية تعطينا، كل ستة أشهر، منحة تزيد من قدرتنا الشرائية دون أن تمكننا من الهروب من الهشاشة.  و كان هذا الأمر يهم كل النخب التي أنهت دراستها   و دخلت في سلك المهندسين  و الأطباء  و البياطرة  و أساتذة  التعليم العالي.

    كنا نرضى بالدخل المادي ،  و نتعامل معه بكثير من الفلسفة  و التقشف  و الرضى بالقليل من متع الدنيا. دخلنا إلى مجال العمل بصعوبة من خلال مباريات صعبة كانت نسبة النجاح فيها لا تتجاوز  5%.  ويمكن للعارفين بمباريات المفتشية العامة للمالية أن يشهدوا بصعوبة امتحانات الدخول إليها،  و تلك الأصعب قبل التخرج بعد سنتين من العمل و الدراسة المجهدين و الشاقين.

    و مرت هذه المرحلة بإكراهاتها  و صعوباتها.  و ظهرت إمكانيات أخرى  لتوظيف أبناء طبقة نافذة في مؤسسات مالية كرمها حاتمي ، و سيل اموالها متواصل،  و الواصلون إليها ذوي حظ  و سند  و سيطرة على القرار. و يستمر الغدق  و الكرم  و الاستثناء إلى يومنا دون رقيب. مؤسساتنا المسماة مقاولات عمومية تقدم الهدايا لأبناء أعيان هذا الزمان. و كثير هم المغاربة الذين افنوا عمرهم في تكوين أبنائهم خارج الوطن،  و لم يقدروا أن يقنعوهم بالرجوع إلى الوطن خوفا عليهم من الظلم  و ” الحكرة” ، و إهانة مستوى تكوينهم من طرف من لا تكوين لهم. 

    لقد كثرت المقاولات العمومية في بلادي،  و كثرت معها أساليب الظلم في تحطيم صاحب الكفاءات أمام من لا كفاءة له. يا ليت مؤسسات بلادي المالية  و الإقتصادية تخضع لافتحاص حول مستوى الرواتب مقارنة بمستوى التكوين.  وصل أحد المسؤولين  ذوي الكفاءة  إلى قيادة مؤسسة مالية عمومية. لاحظ أن عدد المديرين المركزيين ذوي  ” الرواتب السمينة” يفوق كل المعايير المتعارف عليها دوليا.  قيل أن أحد المديرين النافذين الذين لا شهادة حصل عليها إلا الشهادة الابتدائية، كان سببا في ابعاده المفاجئ ، و قد تكون  أسباب  أخرى قد زادت  من  سرعة الإبعاد  ، و لكن قانون الواقع المعاش  يسعد على رفع  البعض إلى  رتبة تفوق في دخلها  راتب الوزير. و حاول المدير السابق أن يعدل،  و يحاول المدير الحالي أن  يعدل،  و لكن سيف معاداة العدل جاهز لقطع الطريق إلى  العدل.  الأمر كبير  و محبط،  و سيظل مستوى المردودية المالية للمؤسسات العمومية رهين تكاليفها المرتبطة برواتب خياليه تحول إلى محظوظين  و محظوظات. قيل أن مسؤولة عن قطاع إجتماعي في مؤسسة عمومية مالية  أشهرت في وجه رئيسها الجديد  وثيقة تمكنها لسنوات من دخل يتجاوز دخل الوزراء  و رئيسهم.  و يظل الصمت  و التجاهل سيد الموقف. و يقال ان هذه السيدة التي جالت عواصم العالم لا شهادات عليا لها. و أن مستواها التعليمي يستند إلى شهادة من مؤسسة ” عادية و خاصة”. من أين يأتي هؤلاء بهذه القوة  التي تتحدى أي  منظومة رقابية.  يقال أن  الرئيس الجديد للبنك العمومي يحزم حقائبه،  كما حزمها سلفه المهندس  و المسؤول السابق و الموثوق في تكوينه  و حرصه على خدمة الصالح العام. 

    مؤسسات  و مقاولات القطاع العالم أصبحت بقرة حلوب مهداة إلى أولاد  و بناة ” سعدات اللي رضا عليه الغزواني”. و هذا الوضع خطير بالنسبة للقطاع العام،  و على ثقة الشباب في المؤسسات. الأمر يتطلب رقابة صارمة على صندوق  الإيداع و التدبير، و  القرض الفلاحي ، و القرض العقاري و السياحي،  و على مؤسسات التأمين الفلاحي،  و على  كل المؤسسات العمومية. وقفت سيدة دون شهادات أمام مديرها تهدده باللجوء إلى القضاء لتستفيد من رواتب سنوات حسب مقتضيات عقد وقع قبل سنتين أو أكثر. و لا يمكن عزل حدث في مؤسسة مالية عمومية عن موقع زوج كان ذا مسؤولية قوية .

    و حين تتكلم النقابات  و التمثيليات التنسيقية في موضوع الأجور تقابلها أصوات رجالية  و نسائية تحصل على أعلى الرواتب الكبرى التي لا يتقاضاها أكبر الأساتذة،  و الأطباء،  و المهندسين. لقد درست سيدات و أسياد في مدارس عادية  جدا ،  و قيل أنهم نجحوا،  فاستولوا على مناصب  برواتب تتجاوز رئيس الحكومة المغربية. قد يخيل للبعض أننا في هلوسات متتالية ،  و لكن تفكيك و افتحاص الحسابات   و الملفات قد يظهر ما اختلف البعض في قراءته  ، و تبريره  و استمراره. كيف سنقنع الاطر المغربية المعترف بكفاءاتها بالخارج في ظل أنظمة لا تعترف، في الغالب، إلا  بالشبكات العائلية  و ذات مصالح مشتركة. تغنى رجال السياسة بالحق في الولوج إلى المعلومة،  و تغلبت فئة قليلة لحماية مصالحها فأغلقت، بذكاء ،باب الولوج إلى المعلومة. سنظل نكثر من الكلام على تعويضات البرلماني ” النموذجي و الملتزم بالحضور و العمل ”  الذي يحتاج إلى سكن  و تنقل  و مكتب في دائرته،  و ننسى أن وظائف أقل أهمية من مسؤولية التشريع تتجاوز ،الرواتب فيها  ،راتب مجموعة من البرلمانيين،  و أساتذة التعليم العالي   ،و الأطباء المختصين العاملين في القطاع العالم،  و المهندسين في كثير من التخصصات و غيرهم ممن قضوا سنوات كثيرة في التكوين و الممارسة. و ستظل أعين الرقيب غائبة،  و محاولات الإصلاح تهمة للتخلص ممن يربط الراتب  بالكفاءة  و الأداء الجيد في المرفق العام. فهل من افتحاص حقيقي أو حتى مهمة استطلاعية برلمانية؟ سأظل متشائما إلى أن تتحرك قافلة الشفافية في كثير من مؤسسات بلادي.