شجب الكلام عن الفساد في البرلمان

  • بتاريخ : نوفمبر 30, 2024 - 6:45 م
  • الزيارات : 39
  • انسحب فريق برلماني من جلسة دستورية،  و عبر عن شجبه لعمل مؤسسة دستورية تحارب الرشوة  و تريد العمل على أن تعم النزاهة و تتم وقاية الوطن من فعل المفسدين. انسحب برلمانيون  في مرحلة تاريخية يتوق فيها المواطن إلى الانعتاق من سطوة الفساد و آثاره على العباد و الإقتصاد. ينسحب برلماني أمام أرقام الرشوة  و هو الذي أقسم على محاربة  الفساد و قال فيه خطبا عصماء. أنسحب لأنه يظن أن تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة و الوقاية من الرشوة و محاربتها تستهدف حزبه  و عشيرته  و أصدقاءه،  و ربما من لهم القدرة الكبيرة على تمويل الحملات الانتخابية.

    سقطت الممارسة السياسية في مستنقع خطير يهدد الحاضر  و المستقبل. صدق  من قال ” اللي حشمو ماتوا” و  تخلوا عن اقنعتهم ، و زادت قدرتهم على الافتخار  بالدفاع عن الفساد. أصبح صوتهم يجلجل  إلى داخل البرلمان  . تراكمت ثروات لدى مسؤولين  و لدى غيرهم دون أن يعرف مصدر هذه الثروات  و هذا الاغتناء السريع خارج   كل قواعد التجارة  و الصناعة  و الفلاحة  و قطاع الخدمات.  و جب التأكيد على أن عمليات غسيل الأموال تنوعت  و كثر فيها الابتكار  و قريبا ستتحصن بالذكاء الاصطناعي. و يظل العارفون بأسرار التبييض مبدعين في صنع اللعبة الانتخابية  و   تملك القرار في الجماعات الترابية الجهوية  و المحلية و حتى البرلمان. أصبحت بعض  المقاهي و المطاعم الفاخرة تقدم وجبات بأسعار لا تنافس . و يظل سؤال التعجب مقرونا بأهمية عملية الغسيل. و لنا  في  العملية  الإجرامية التي  جرت  بمقهى ” لاكريم ” بمراكش  قبل سنوات،  خير  دليل  على عمليات  غسيل أموال  تجار  المخدرات.

     و قد يكون كثير من زعماء الأحزاب خارج هذه اللعبة ، و قد يكون بعضهم ممن يغضون الطرف  و يستفيدون بنية  غير سليمة . و تتم عمليات إفساد تدبير الشأن العام داخل كثير من الإدارات التي ترتكز خدماتها على تسيير مرافق عامة أساسية بالنسبة للمواطنين. و لا زالت الصفقات العمومية مرتعا للفساد و الاغتناء السريع و غير المبرر لبعض المسؤولين الذي أصبحت ألقابهم تقترن  بالسيد 10% أو 20%.  و لا زالت عين الرقابة ضحية رمد لم يجد علاجا أصبح متاحا  و لكنه يظل غير   مرغوب فيه.  الفساد عملية معقدة  و منتشرة وسط كل الفئات الإجتماعية  و كل المؤسسات العمومية و السياسية  و الإقتصادية و الإجتماعية. الفساد لا لون له  و لا طعم  و لكنه فيروس خطير على المجتمع  و على كل مؤسساته. الفساد يلبس الجلباب  و البذلة العصرية  و القفطان  و التنورات القصيرة.  يتقمص دور اليميني  و اليساري  و الإسلامي و العلماني.  و لذلك يظل الحكم بالظاهر أول خطوات فضحه.  و الحكم بهذا الظاهر هو مظاهر الاغتناء غير المشروع  و غير المبرر. و البحث في أسباب هذا ” الظاهر” موكول للقضاء لفحص البينة.

    وسيظل الحدث السياسي الغريب خلال هذا الاسبوع هو انسحاب فريق المستشارين التابع لحزب رئيس الحكومة خلال مناقشة ميزانية ” الهيئة  الوطنية للنزاهة و الوقاية من الرشوة و محاربتها . برر المنسحبون موقفهم بعدم صحة ما جاء في تقرير هذه الهيئة من تحليل لمستويات تفشي الرشوة حسب القطاعات  و المرافق العمومية. كان الرد أن خلصت   أن أعضاءها  لا تتحكم  في  أعمالهم  أية  خلفية سياسية.  و أعتبر رئيسها  أن خلاصاتها  غير  مسيسة  و تتسم  بالموضوعية كرأسمال ثمين  لمصداقية  أعمالها. و كان من الأجدر مقارعة الحجة بالحجة ،  و لكن الطبع غلب التطبع. وجب شجب  كل موقف حزبي يسير في إتجاه إنكار ما يتعرض له المواطن البسيط  و المقاول  و الفلاح  و الطالب  و الصانع من طرف  المسؤول. و يشكل حدث  الإنسحاب إنكارا متعمدا لظاهرة سلبية و جهلا بالواقع الذي يجعل اقتصادنا يفقد 2% من نسبة نمو الناتج الداخلي الإجمالي بسبب الرشوة. و يزيد الوضع استفحالا حين تضيع الثقة في المؤسسات التي يديرها أناس لا يحترمون المؤسسات.  و قد  تمت الإشارة،  منذ إنشاء هذه المؤسسة ،بموجب مقتضيات دستورية ، إلى أن مؤسسات دولية أممية  و مالية كالبنك الدولي اعتبرت الشراكة معها ذات أهمية في مجال محاربة الرشوة.  قد يتغير أعضاء الهيئة  و رئيسهم  و لن تتغير تقاريرها و لو بعد سنين.  الفساد  واقع يعبث بالمؤسسات  و يهدد الوطن  و مؤسسات الدولة. و كل من ينكر وجوده  لا يمكن إلا أن  ينتمي لزمرة المستفيدين. يستنكر سياسيون، من ضمنهم وزراء, كل خطاب،  أو  مجرد سرد تجربة إنسانية ، عن معاناة مواطن أمام جبروت الفساد. حاول بعضهم نعت مناهضي الفساد  و تفشي الرشوة من المشوشين على مسلسل تنمية البلاد.  و لا زال وزير العدل،  في مغرب يريد الانعتاق من سلطة أحزاب تم صنعها خارج الفعل السياسي المستند إلى العمل المجتمعي الحر، يحاول منع المواطنين  و جمعياتهم من مواجهة كل أشكال الفساد. يخاف السيد الوزير على هشاشة نفسية بعض المسؤولين المتابعين  و لا يخاف على تدهور الثقة في المؤسسات. و لقد أصبح من المؤكد أن الكثير من قيادات أحزاب حاضرنا الحزين يريدون خوض أم المعارك ضد المندوبية السامية للتخطيط و بنك المغرب  و المجلس الإقتصادي و الإجتماعي و البيئي و مجلس المنافسة  و الهيئة الوطنية للنزاهة و الوقاية من الرشوة و محاربتها، لأن  تقاريرها تختلف،  في بعض الأوقات ، مع تقارير و خطابات الحكومة.  يظهر أن الهجمة على المكتسبات  و الردة الحقوقية تريد الإضرار بما حققه المغرب خلال العقدين الأخيرين.  و لكن كثرة الضغط، من طرف زمرة من المنتفعين، قد تدفع الكثيرين إلى اليأس.  و هذا ما لا يريده مواطن قلبه على وطنه. أخذوا المليارات  و لا زالوا يريدون  المزيد  بدون الوعي بحمولة  عبارة ” لقد طفح الكيل “.