لا أعتقد أن الشعوب التي كانت مستعمرة من طرف الإمبريالية، قد سلكت من ناب الوحش بعد، وما رد ذلك أننا لو ألقينا فقط نظرة استدراكية متسائلين عن ” التجليات الاقتصادية في التحرر” سنجد التالي:
أن الواقع وحتمية التاريخ وعجلة التطور، هي التي فرضت على هذه الشعوب أن تنتقل إلى مرحلة ” ما بعد الاستعمار” وهي التي نصطلح عليها نحن”بالاستقلال”، وبالتالي التطور الاقتصادي “المتشخصن” في تحوله من إنتاج صناعي إلى إنتاج قائم على بيع وشراء المال، مما دفع عجلة التاريخ لتتقدم نحو خطوة قائمة على المعطيات الجديدة للاقتصاد المتمثل في هذه العلاقات الإنتاجية الجديدة، كما نجد أيضا ، أن هذا التطور الاقتصادي انعكس أيضا على ذهنية المجتمعات المستعمرة، وبالتالي هي أيضا ساهمت من جهتها في الانتقال و نشر الوعي، الذي أدى إلى حركات رد نحو المطالبة بتغيير الوضع من أجل “الاستقلال”، ولعل أبرز دليل يؤكد أن حركة الوعي التحرري كانت نتيجة لانعكاس الشروط الاقتصادية، هو أننا نجد معظم ما يسمى” بالعالم الثالث” قد استقل في سنوات متقاربة. لهذا يجعلنا نطرح الأسئلة التالية: ما الداعي لهذا الاستقلال المتقارب بين كل الشعوب المستعمَرة؟ ألم يكن أن تستقل شعوب كثيرة قبل هذا ؟ وهي التي انتفضت وثارت، وقاومت. الم يكون الاستعمار في دول كثيرة عمر دول “كالوطاسيين” وأكبر منها بكثير، مثلا في المغرب؟ ( أي طول إقامة محتل كفرنسا في الجزائر مثلا، وأيضا لماذا لم تستقل الجزائر قبل القرن العشرين؟)، هذه التساؤلات تؤدي بنا، أن وحدها عجلة الاقتصاد وتقدمها جعلت انعكاساتها تمتد لشروط جديدة في تنظيم علاقات الإنتاج. فانتقلت الدول الاستعمارية من مرحلة التواجد في ميدان الصراع إلى تنظيم هذا الصراع عن طريق التحكم في محرك الصراع، الذي هو “الاقتصاد” وتحويله كمجرد عامل مدفوع الأجر يدفعه أرباب العمل “الإمبريا ـــ ماليين” الجدد، وبالتالي تحكمت القوى الامبريالية في مرحلة ما بعد الاستعمار بفرض قوتها الاقتصادية على سياسات الشعوب الحديثة الوجود، بضمان تبعيتها ، التي لن تنفك بها إلا عن طريق التخلص منها. وذلك لن يكون إلا بمحاولة خلق قطيعة عن طريق إيجاد تيار اقتصادي جديد وإيديولوجية تستقل عن السوق الرأسمالية. عموما حركة التاريخ ما دائما تخضع للاقتصاد وعندما ستعمُ فيه الفوضى سيبدأ الإصلاح”ـــ الفوضى انعكاس لسخط اقتصادي ــــ، كما قال ابن خلدون:”إذا عم الفساد في الدولة، فإن أولى مراحل الإصلاح هي الفوضى” ورؤيتنا ترى أن الدولة ما هي إلا آلية اقتصادية تتلاشى، إذ تلاشى الاقتصاد، ويدل على هذا الواقع اليوم: عندما سقط الاقتصاد في دول ك: سوريا وليبيا أصبحت أهم العناصر، التي تؤسس لمؤسسة “الدولة”، تسقط مثل: الأمن، الحدود السياسية….، مما جعل هذه الدول عرضة لاضمحلالها. وهل حقا هناك اليوم، وبمنطق العلوم السياسية الموضوعية وبدون تحيز أيديولوجي أو سياسي، دول اسمها: سوريا، أو ليبيا أو حتى اليمن… ؟ فلا شيء من ذلك. لقد انتهى تاريخها بموت اقتصادها.
أخيرا ليس دائما ” الفوضى” بمعنها الثوري هي من قد تخلصنا من مرحلة ما بعد الاستعمار، لكون أنها ليست دائما تنتهي لما يحمد عقبها، ولعل أمثلة الواقع العربي أَبْينُ لنا. فنحن متفائلين، لأن هناك هدوء يقترب من الشاطئ، إنها “الفوضى الخلاقة الوطنية”، التي تقترب شيئا فشيئا، من أجل أن تنقلنا من مرحلة “ما بعد الاستقلال” نحو مرحلة التحرر الكامل.
بقلم: حمزة بوحدايد، طالب باحث



إرسال تعليق