لا تقتصر التنمية على ما هو اقتصادي و اجتماعي فقط بل تعتبر التنمية الثقافية المعادل الموضوعي لتنمية المجتمع ثقافيا و لتنمية الثقافة اجتماعيا و اقتصاديا لتكون الثقافة عنصرا فاعلا في تطوير اليات النمو ولتدعيم المجهودات التي تسخر للنهوض بمستويات الحياة و لترقية الانسان و للرفع من قدراته و لتحسين أوضاعه في المجتمع و تبدأ التنمية الثقافية التي تعتبر عنصرا من عناصر التنمية الشاملة المستدامة من تنمية الثقافة أساسا حتى تغدو ثقافة متطورة تبني الفرد و المجتمع دلك أن ثمة علاقة وطيدة بين تنمية الثقافة من حيث هي عملية تطوير و تحديث و تفعيل و بين التنمية الثقافية التي هي جماع الامر كله ونتيجة للمجهود الدي يبدل في هدا المجال الحيوي الهام جدا من مجالات البناء الشامل للمجتمع والانسان معا و بالتالي فان التساؤل المطروح يدور حول دور العوامل الثقافية في عملية التنمية أي ما هو الدور الدي يمكن أن تلعبه القيم و الأفكار و المعايير و الاتجاهات و العواطف و المشاعر في التنمية الاقتصادية بالريف
وهكدا فالقيم والمؤسسات الثقافية لها أهمية كبيرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وعلاقتها بالأنظمة السياسية، وأثرها على اتخاذ القرارات و لها دور كبير في توجيه السلوك الانساني،و بالتالي فهي تعتبركقوى دافعة ومحرك للتقدم الاقتصادي والاجتماعي مثل قيمة العمل، وتقدير قيمة الوقت، والادخار، والتعاون… الخ. هي قيم لها مكانتها الرفيعة في الإسلام، ومكانها المرموق في التجارب التاريخية الناجحة للأمازيغ المسلمين بالريف، أضف الى دلك الفكرالدي هو عمل العقل ونتاجه بالاضافة الى الانتاج الفني و الأدبي للمجتمع الريفي الأمازيغي و حفاظه على قيمه و ممارساته و رموزه و مؤسساته و علاقاته الانسانية و كدا مواقفه و معتقداته و كل التوجهات و الفروض الضمنية السائدة بين الناس و نفس الشيء بالنسبة لاتجاهاتهم الثقافية كعوامل يمكن أن تساعدهم على التقدم أو كعقبات تقف في طريقهم الا أن عملية تحويل المشاعر و الأحاسيس والأفكار من لغة الى أخرى يصحبها مجهود فكري كبير هدا د ون الحديث عن أثارها النفسية العميقة دلك أن التفكير في اطار لغة و التعبير بلغة أخرى يجعل عملية التواصل لا تتحقق بالنسب المطلوبة و تخلف وراءها جبالا من عدم الثقة و الريبة في التعامل مع الاخرين و كل دلك يؤثر على الترابط الاجتماعي الدي يفترض فيه الانسجام اللغوي و الثقافي لتحقيق الاقلاع الاقتصادي و بالتالي خلق فرص التنمية المستدامة غير أن ارتكاز الحكومة السابقة على أيديلوجية الحكم دات الولاء لأيديولوجية شرقية تم تغييب ممنهج للغة الأمازيغية في البرامج التعليمية و الصحافة المقروءة و المكتوبة و الاعلام السمعي البصري و الادارة و القضاء و ادارة الأعمال و الحياة العامة كان له الانعكاس السلبي على التنمية دلك أن اعتماد اللغة العربية لوحدها كلغة ليست لغة السواد الأعظم من المغاربة يكرس أزمة لسنية تقضي الى زعزعة ثقة الناطقين بالأمازيغية في داتهم و قدراتهم و يجردهم بالتالي من وطنيتهم و يحولهم الى مجرد كائنات بشرية مسلوبة الارادة أمام أحد أمرين اما الانخراط في تعلم اللغة العربية مع ما يشكله دلك من تحد لغوي بالنسبة للامازيغيين خاصة في البادية أو الانكفاءعلى الدات و الشعور بالعزلة و التهميش و بالتالي عدم الاندماج الاجتماعي دون الحديث عن تعلم اللغات الأجنبية
كما أن الأمازيغية كثقافة وطنية وهوية حضارية وعبرها الإنسان الأمازيغي، مركز عدم إخفاق أي برنامج ومشروع يهدف إلى تنمية حقيقية، مثلما يبقى الرهان الأساسي هو خلق علاقة بين الإستراتيجية التنموية والحقل الثقافي والهوياتي وربط مشاريع التنمية بأساسها السوسيوثقافي حتى تكون لها حظوظ أو فرص في النجاح اد أن عاملي الهوية والثقافة تعتبر وسيلة لخدمة قضايا التنمية، وما دام أن الأمازيغية لا تزال ترتبط بمجموعة من المناطق المهمشة كالريف، فان المدخل لإرساء معالم تنمية اقتصادية واجتماعية فعلية هو رفع الحصار عن هذه المناطق ورد الاعتبار لها وللإنسان الأمازيغي بفرض برامج ومشاريع تهدف إلى رفع التهميش الممنهج، اعتبارا لكون الأمازيغية تشمل أبعادا ومستويات اقتصادية واجتماعية وتنموية وبيئية، وذلك عن طريق بناء المراكز الصحية، المدارس،الجامعات شبكة الطرق، الإنارة، خلق فرص الشغل، وحتى يتم كذلك تفادي مشكل جوهري أصبح سمة المناطق الريفية وهي الهجرة، نتيجة للأوضاع الصعبة التي توجد عليها هذه المناطق و بالتالي فإن دور الثقافة واضح على مستوى بلورة إجابات حقيقية حول أسئلة التنمية، لذلك فان أي تهميش لأي عنصر من عناصر هذه الثقافة يؤدي إلى عرقلة وفشل برامج التنمية
وبالتالي فان الدين الاسلامي بالريف قد ساهم في ازدهاره و نموه الاقتصادي و التجاري من خلال نشر مبدأ خلقي يحكم السلوك اليومي ويشجع على النشاط الاقتصادي. الفكرة الأساسية هي أن الدين في الريف، وخاصة في فترتي ظهور مدينة المزمة في منطقة السواني بالحسيمة و امارة النكور، أدى إلى تشجيع ظهور نموذج إنساني كان قبل ذلك نادرا واستثنائيا. هذا النموذج، الذي يتمتع بصفات العقلانية، والنظام، والاجتهاد، والإنتاجية العالية ولا يمكن الا من باب التجني ارجاع تخلف المسلمين الى الاسلام فقد سبق أن بعث الاسلام حضارة مجيدة انبنت على بناء عقائدي و عبادي و فكري يدعو الى العقلانية و العمل و الابتكار الخلاق و التسامح بين الأعراق و لكن التخلف راجع الى ما أصاب أفكار المسلمين و سلوكهم و تنظيماتهم و هو ما نلاحظه مثلا في سلوك بعض التنظيمات السياسية و الجمعوية و كدا بعض أئمة المساجد و الدعاة و المفكرين الاسلاميين و حتى بعض العلماء تراهم يخطبون في المساجد و يوجهون الناس بلغة عربية فصحى و بلاغة و شعر في خطب قد لا يفهمونها هم أنفسهم و بالأخرى الأمازيغيين الريفيين ادا ما اعتبرنا أن الأمية مازالت متفشية بين صفوف المواطنين وبالتالي فالعودة الى الاسلام و الثقافة الأمازيغية قيما و ثقافة و نظاما هي الكفيلة بنهوض التنمية بالمنطقة علاوة على ذلك، فإن المركزية المفرطة التي نهجتها الدولة المغربية ، تظل من العوائق الأساسية المعيقة لنجاح أي استراتيجية تنموية، لتبقى إحدى أهم التدابير الواقعية لتجاوز هذه الوضعية هو منح المناطق المهمشة صلاحيات فعلية للتحكم في ثرواتها وإمكانياتها الطبيعية وتسيير المنشآت الخاصة بها، وتعتبر الثقافة الأمازيغية مرجعا في هذا الشأن بحكم ما يطبعها من تراكمات على هذا المستوى منذ فترات طويلة، وعلى مستوى أنظمة الحكم الذاتي والتسيير المحلي
بقلم عبد الكريم الطاهري باحث في الاقتصاد و التسيير



إرسال تعليق