ثقافة الاجتماعات أم ثقافة الإنجاز؟ حين تقاس المسؤولية بعدد اللقاءات .

  • بتاريخ : أغسطس 20, 2026 - 11:29 ص
  • الزيارات : 120
  • في تدبير الشأن العام، لا يمكن قياس فعالية المسؤول بعدد الاجتماعات التي ترأسها، ولا بعدد الصور التي التُقطت حول طاولة الاجتماعات، ولا بحجم البلاغات التي صدرت عقب كل لقاء. المعيار الحقيقي للمسؤولية هو ما يتحقق على أرض الواقع، وما يلمسه المواطن في حياته اليومية من تحسن في الخدمات، وإنجاز للمشاريع، وحل للمشكلات المتراكمة.

    لقد تحولت الاجتماعات، في بعض الممارسات الإدارية والسياسية، من وسيلة لاتخاذ القرار وتتبع التنفيذ إلى غاية في حد ذاتها. اجتماع يعقبه اجتماع، ولجنة تنبثق عنها لجنة أخرى، ومحاضر تُحرر وتوصيات تُسجل، بينما تبقى بعض الملفات عالقة في دواليب الإدارة، وتظل انتظارات المواطنين معلقة إلى أجل غير مسمى.

    المشكلة ليست في عقد الاجتماعات؛ فالاجتماع أداة أساسية للتنسيق والتخطيط واتخاذ القرار. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الاجتماع بديلاً عن العمل، وعندما تتحول التوصيات إلى مجرد عبارات محفوظة دون آجال واضحة للتنفيذ، ودون محاسبة حقيقية لمن لم يلتزم بما تم الاتفاق عليه.

    المواطن لا يحتاج إلى معرفة عدد الاجتماعات التي عُقدت، بقدر ما يريد أن يعرف ماذا تحقق بعدها.

    هل تم إصلاح الطريق؟ هل تحسنت خدمات النقل؟ هل عولج مشكل النظافة؟ هل تم تحرير الملك العام من الاحتلال غير القانوني؟ هل تحسنت الخدمات الصحية والإدارية؟ هل أُنجزت المشاريع التي تم الإعلان عنها؟ وهل صُرفت الميزانيات في إطار نتائج واضحة يمكن قياسها؟

    هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب تقييم المسؤول العمومي.

    من ثقافة «ناقشنا الموضوع» إلى ثقافة «أنجزنا الحل»

    من أخطر مظاهر البيروقراطية أن تتحول لغة المسؤولية من لغة النتائج إلى لغة الإجراءات. فيقال: «عقدنا اجتماعاً»، «شكلنا لجنة»، «ناقشنا الملف»، «قررنا دراسة الموضوع»، وكأن مجرد القيام بهذه الخطوات يمثل إنجازاً في حد ذاته.

    لكن المواطن لا يعيش داخل المحاضر، ولا يستفيد من التوصيات غير المنفذة. المواطن يريد أثراً ملموساً.

    إن الانتقال من ثقافة الاجتماعات إلى ثقافة الإنجاز يقتضي تغييراً في طريقة تقييم الأداء. فبدلاً من سؤال المسؤول عن عدد اللقاءات التي عقدها، ينبغي سؤاله عن نسبة المشاريع التي أنجزت، والآجال التي احترمت، والمشاكل التي تمت معالجتها، والنتائج التي تحققت.

    المسؤولية تبدأ بعد انتهاء الاجتماع

    الاجتماع الحقيقي لا ينتهي عند رفع الجلسة، بل يبدأ بعدها.

    فكل اجتماع جاد يفترض أن ينتهي بقرارات واضحة، ومسؤوليات محددة، وآجال زمنية للتنفيذ، وآليات للتتبع والتقييم. أما أن تنتهي الاجتماعات دون تحديد من سيتولى التنفيذ ومتى وكيف، فإنها تصبح مجرد حلقات متكررة تستهلك الوقت والموارد دون أن تنتج حلولاً حقيقية.

    وهنا تبرز أهمية ربط المسؤولية بالمحاسبة. فمن اتخذ قراراً أو التزم بتنفيذ مشروع يجب أن يكون مسؤولاً عن نتائجه، ومن تأخر أو فشل في التنفيذ ينبغي أن يقدم تفسيراً واضحاً للرأي العام وللجهات المختصة.

    المواطن هو الحكم الحقيقي

    في نهاية المطاف، المواطن هو الذي يملك المؤشر الأكثر صدقاً لقياس الأداء.

    فإذا تحسنت الخدمات، وتوفرت فرص الاستثمار، وتم إصلاح البنية التحتية، وحُلت مشاكل النقل والنظافة والإنارة والصحة والإدارة، فإن ذلك يعني أن هناك عملاً حقيقياً يجري خلف الكواليس.

    أما إذا ظل المواطن يواجه المشكلات نفسها عاماً بعد عام، رغم كثرة الاجتماعات واللجان والوعود، فإن من حقه أن يتساءل: أين تذهب كل هذه الاجتماعات؟ ومتى تتحول التوصيات إلى واقع؟

    إن المسؤولية العمومية ليست حضوراً دائماً أمام الكاميرات، وليست كثرة الظهور في اللقاءات الرسمية، وإنما قدرة على تحويل القرارات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج، والنتائج إلى تحسين فعلي في حياة المواطنين.

    المطلوب: مؤشرات للإنجاز لا مؤشرات للاجتماعات

    المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقلية جديدة في تدبير الشأن العام، تقوم على قياس الأداء بالنتائج.

    فالمسؤول الناجح ليس من يعقد عشرات الاجتماعات، وإنما من يستطيع بعد فترة زمنية محددة أن يقدم حصيلة واضحة: ماذا وجد؟ ماذا قرر؟ ماذا أنجز؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟

    بهذه الطريقة فقط يمكن أن ننتقل من منطق تدبير الوقت إلى منطق تدبير النتائج، ومن ثقافة التبرير إلى ثقافة المسؤولية.

    وفي زمن تتزايد فيه انتظارات المواطنين، لم يعد مقبولاً أن تتحول الاجتماعات إلى غاية بحد ذاتها. فالاجتماع وسيلة، والقرار خطوة، والتنفيذ واجب، أما الإنجاز فهو المقياس الحقيقي للمسؤولية.

    وفي النهاية، تبقى القاعدة بسيطة وواضحة:

    المسؤولية ليست في عدد الاجتماعات، ولا في عدد المحاضر، ولا في كثرة التصريحات؛ المسؤولية فيما تحقق على أرض الواقع، وفي ما تغير فعلاً في حياة المواطن.