ازدواجية المعايير السياسية وعلاقتها بمصداقية الأحزاب

  • بتاريخ : أغسطس 20, 2026 - 11:08 ص
  • الزيارات : 110
  • تُعد ازدواجية المعايير والخطاب السياسي من أبرز الإشكالات التي تؤثر في صورة العمل الحزبي بالمغرب، خصوصاً عندما يتغير خطاب السياسي بحسب موقعه: فالموقف الذي يُعتبر مشروعاً عندما يكون الحزب في المعارضة قد يتحول إلى موقف مرفوض عندما يصبح داخل الحكومة، والعكس صحيح. وهذه الممارسة، حين تتكرر، تجعل المواطن أمام سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بمبادئ سياسية ثابتة أم بحسابات مرتبطة بالموقع والمصلحة؟

    وتزداد خطورة هذه الازدواجية عندما تكون التصريحات الانتخابية مختلفة جذرياً عن الممارسة بعد الوصول إلى المسؤولية. فقد أظهرت معطيات منشورة خلال 2026 أن أزمة الثقة في الأحزاب ما تزال حاضرة بقوة، فيما أفادت دراسة حول انتخابات 2026 بأن 90.4% من المستجوبين يرون أن المنتخبين لا يوفون بالتزاماتهم وتعهداتهم، و88% يرون أن الأحزاب لا تهتم بما يكفي بانشغالات المواطنين.

    بين المعارضة والحكومة.. أين تنتهي المبادئ وتبدأ الحسابات؟

    من أكثر مظاهر ازدواجية المعايير إثارة للجدل أن بعض السياسيين يرفعون سقف الانتقاد عندما يكونون في المعارضة، ويتحدثون عن محاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة والدفاع عن القدرة الشرائية، لكن خطابهم قد يتغير بعد الوصول إلى مواقع القرار.

    وفي المقابل، قد تتحول بعض الأحزاب المشاركة في الحكومة إلى منتقدة لبعض السياسات الحكومية، رغم أنها جزء من الأغلبية التي تتحمل مسؤولية سياسية عن الحصيلة. وقد أثار هذا النوع من ازدواجية الخطاب نقاشاً خلال 2026 حول حدود الانسجام داخل الأغلبية الحكومية.

    المشكلة هنا ليست في اختلاف المواقف السياسية، فالاختلاف حق مشروع، وإنما في غياب تفسير مقنع لتحول المواقف، وفي عدم قدرة المواطن على معرفة ما إذا كان التغيير ناتجاً عن مراجعة سياسية حقيقية أم عن حسابات انتخابية وحزبية.

    تأثير مباشر على صورة الأحزاب

    أخطر نتائج ازدواجية المعايير أنها لا تضر بصورة سياسي واحد فقط، بل تمتد إلى الحزب الذي ينتمي إليه، ثم إلى المشهد الحزبي برمته.

    فحين يلاحظ المواطن أن بعض الوعود الانتخابية لا تجد طريقها إلى التنفيذ، أو أن السياسي ينتقد سلوكاً معيناً لدى خصمه ثم يمارسه عندما تتاح له فرصة المسؤولية، فإن النتيجة الطبيعية تكون تآكل الثقة.

    وتشير نتائج استطلاع نشر في 2025 إلى مستويات مقلقة من عدم الثقة في الأحزاب، حيث صرح 94.8% من المشاركين بعدم الثقة فيها، بينما اعتبر 97.9% أن الأحزاب لا تحترم مبادئ الديمقراطية الداخلية، و98.2% أنها لا تتواصل باستمرار مع المواطنين. وهذه نتائج تخص استطلاعاً غير تمثيلي، ولذلك ينبغي التعامل معها كمؤشر على المزاج العام لا كقياس نهائي للرأي العام المغربي.

    المال والزبونية والترحال السياسي

    لا يمكن فصل أزمة ازدواجية الخطاب عن مشكلات أخرى داخل الممارسة الحزبية، مثل ضعف الديمقراطية الداخلية، هيمنة بعض القيادات، البحث عن الأعيان الانتخابيين، والترحال السياسي.

    وقد سبق لتقارير ودراسات حول الانتخابات المغربية أن ربطت الترحال السياسي بتغيير بعض المنتخبين لانتماءاتهم الحزبية وفق حسابات انتخابية، معتبرة أن ذلك يؤثر سلباً في صورة الممارسة السياسية لدى المواطن.

    كما أظهر استطلاع منشور في 2025 أن المشاركين اعتبروا المال والعلاقات الشخصية والولاء للقيادة من أبرز عوامل الصعود داخل الأحزاب، مقابل حضور أقل للكفاءة والخبرة التنظيمية.

    هل الأحزاب هي الخاسر الأكبر؟

    نعم، لأن المواطن قد يتسامح مع خطأ سياسي أو قرار غير موفق، لكنه يصبح أكثر رفضاً عندما يشعر بأن هناك خطاباً سياسياً مزدوجاً: خطاباً للاستهلاك الانتخابي وخطاباً آخر عند ممارسة السلطة.

    وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: فالأحزاب يفترض أن تكون مؤسسات للوساطة السياسية، وتأطير المواطنين، وإنتاج النخب، والدفاع عن البرامج والأفكار. كما أن مواثيق أخلاقيات الممارسة السياسية في المغرب شددت على مبادئ الشفافية والمساءلة والحكامة واحترام التنافس الشريف.

    لذلك، فإن استعادة الثقة لا تمر فقط عبر تغيير الشعارات والوجوه، بل عبر توحيد الخطاب مع الممارسة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقوية الديمقراطية الداخلية، وإعطاء الكفاءة والنزاهة مكانتهما في اختيار المرشحين، والابتعاد عن تحويل السياسة إلى وسيلة للانتخابات والمصالح الشخصية.

    الخلاصة

    إن ازدواجية المعايير السياسية ليست مجرد مشكلة في الخطاب، بل أزمة مصداقية. وكلما اتسعت الفجوة بين ما يقوله السياسي وما يفعله، اتسعت المسافة بين المواطن والحزب، وبين المواطن والسياسة عموماً.

    وإذا أرادت الأحزاب المغربية استعادة ثقة المواطنين، خصوصاً الشباب، فإن عليها أن تنتقل من سياسة ماذا نقول للناخب؟ إلى سياسة ماذا سنفعل وكيف سنحاسب على ما فعلناه؟. فالمواطن اليوم لا يحتاج إلى خطابات أكثر، بقدر ما يحتاج إلى سياسيين يثبتون بالممارسة أن المبدأ لا يتغير بتغير الموقع.