تماشيا مع زمن التكنولوجيا المتسارعة، يبدو أن هشام جيراندو قرر بدوره تحديث خطاب التطرف إلى نسخة VIP. فبدل الخطاب المتشدد التقليدي الذي اعتاد الناس سماعه من أعالي الجبال أو من داخل الكهوف، يطل علينا هذه المرة من خلف الشاشة وبجودة بث عالية، لا كصانع محتوى عادي، ولا حتى كناشط سياسي بالمعنى المتعارف عليه، بل في هيئة “الظواهري بروماكس”، نسخة رقمية مطورة من خطاب التحريض الذي يعمل بتقنية البث المباشر، وبجرأة لافتة، حيث تطرح دعوات إلى التمرد والعصيان بلغة مشحونة ومواقف متطرفة، تبث بكل أريحية من داخل التراب الكندي، حيث البرد قارس، والإنترنيت سريع، والمنصات الرقمية مفتوحة على مصراعيها ” بالعلالي”، وكأنه يقدم برنامج ترفيهي.
لم يعد الأمر يتعلق بنقد سياسي أو رأي حاد، بل بخطاب يؤسس نفسيا وفكريا للفوضى، ويعيد إنتاج منطق الهدم باعتباره الحل الوحيد، في قفز خطير على كل إمكانيات الإصلاح والسلم الاجتماعي، إنه خطاب ذاته الذي اعتمدته “جماعات إرهابية متطرفة” مع اختلاف فقط في المكان، أستوديو بكندا vip، عوض الكهوف.
المتطرف جيراندو يتحدث بنبرة ثورية عالية ويوزع دروسا في العصيان والمواجهة ويعتقد أن إسقاط النظام يتم بكبسة زر وبث مباشر، وعلى بعد ٱلاف الكيلومترات من الواقع الذي يحرض عليه، هكذا يرى الأمور ببساطة.
الأكثر إثارة أن هذا الخطاب يبث من داخل دولة كندا، التي تقدم نفسها كواحدة من أكثر الدول تشددا في محاربة خطاب التطرف والتحريض على العنف، كما أنها ترأست إلى جانب المغرب المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب (GCTF 2020-2022)، ووضعت ترسانة قانونية صارمة لمكافحة الإرهاب، واعتقلت أشخاصا بسبب خطاب تحريضي عبر الانترنيت، التونسي الأصل نجيب بلحاج شتيوي نموذجا.
لكن يبدو أن المعايير تصبح أحيانا مرنة بشكل غريب عندما يتعلق الأمر بحالات معينة، بينما تتحرك بسرعة البرق في ملفات أخرى التي تمس مصالحها، لكن هنا نجدها تتحول إلى ما يشبه بالنوم العميق، وكأن فيديوهات التحريض التي يبثها جيراندو مجرد محتوى عادي لا يستدعي الانتباه.
يقدم جيراندو نفسه في صورة “بطل الحرية”، غير أن خطابه لا يقوم إلا على فكرة واحدة، الفوضى، فلا مشروع واضح عنده، ولا رؤية سياسية متماسكة، ولا حتى ملامح برنامج إصلاحي يمكن مناقشته، ما يوجد هو صراخ يومي وتحريض متواصل، وسعي دائم إلى تغذية مشاعر الغضب وتأجيج حالة من العداء المطلق تجاه الدولة ومؤسساتها، لأن هدفه ليس الإصلاح بقدر ما هو دفع الأمور نحو مناخ من التوتر والاضطراب.
إن استمرار السلطات الكندية في غض الطرف عن الخطاب التحريضي والإرهابي الذي يروج له هشام جيراندو يعتبر تواطؤ غير مباشر معه، فالتساهل مع الإرهاب الرقمي، والتغاضي عن دعوات التحريض والكراهية، لا يعني سوى فتح الباب أمام تداعيات أكثر خطورة مستقبلا، إن الصمت أمام هذا النوع من الخطاب المتطرف ليس حيادا، بل تمهيد فعلي لفاجعة قد تقع غدا.





إرسال تعليق