إدريس الأندلسي: هذه دلالات إضافة النجاعة العمومية لوزارة الاقتصاد والمالية

  • بتاريخ : أكتوبر 29, 2026 - 1:42 م
  • الزيارات : 87
  • شهدت الهيكلة الجديدة لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، إلغاء الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية وإضافة “النجاعة العمومية” ضمن التسمية الجديدة لوزارة الاقتصاد والمالية. ويطرح هذا التعديل تساؤلات بشأن دلالات هذه الخطوة، ومدى قدرتها على تعزيز تقييم السياسات العمومية والقطاعية، وربط حجم الاستثمارات بأثرها الفعلي على التنمية والتشغيل والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية
    في هذا السياق، اتصلت «أنفاس بريس» بإدريس الأندلسي، رئيس سابق لجمعية أعضاء المفتشية العامة للمالية الذي أفاد الجريدة بالورقة التالية:

     

    اختلطت الأمور كثيرًا في مجال البحث عن آثار وتقييم الصرف على سياسات عامة وأخرى قطاعية، وعلى كثير من المشاريع التي اعتُبرت مهيكلة. تم رفع شعار ربط التمويلات بالنتائج منذ أكثر من عشرين عامًا، وغابت التقارير التقييمية رغم وجود وجاهزية المفتشية العامة للمالية ومفتشيات الوزارات، وظهر بالملموس أن مهمة تقييم ومراقبة السياسات والمشاريع المرتبطة بها ظلت شبه غائبة. قرأ المتتبعون للشأن العام بعض التقارير، ومن ضمنها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، ولم يجدوا فيها ما يمكن أن نسميه، تجاوزًا، قياسًا للنجاعة العمومية. تمنيت أن أقرأ تقريرًا واحدًا يفصّل بمنهجية علمية تقييمًا للمغرب الأخضر والجيل الأخضر، وللتسريع الصناعي ولسياسة الصيد البحري، وحتى لسياسة البرنامج الاستعجالي في مجال التعليم والتربية، فلم أجد إلا أرقام الميزانيات التي صُرفت، ولا شيء عن قياس بلوغ الأهداف عبر مؤشرات واقعية على الأرض.
    صرفت بلادنا أكثر من حوالي 2500 مليار درهم منذ سنة 2021 وإلى غاية 2026. وشمل هذا المبلغ استثمارات الدولة واستثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية. وتظل تقارير الإنجاز وتقييمه الغائب الأكبر في تتبع نتائج الصرف العام المرتبط بالسياسات العمومية والقطاعية في كل القطاعات. وهنا يُطرح السؤال الكبير عن غياب ربط حجم الاستثمارات بآثارها على التنمية والتشغيل والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية. ولا تقدم كل التقارير المصاحبة لمشاريع قانون المالية أي قراءة نقدية لما وصلنا إليه من ضعف في مجالات الشغل والتربية والصحة وتنمية العالم القروي. ويكفي إعطاء مثال السياسة الفلاحية التي خُصصت لها أغلفة مالية تُقدّر بما يتجاوز 200 مليار درهم منذ 2008، للتأكد من غياب نجاعة هذه الاستثمارات، وغياب أي تقييم لآثارها في ارتباطها بالأهداف التي وُضعت للمغرب الأخضر والجيل الأخضر. وتتمثل أوجه فشل النجاعة في استمرار بلادنا في استيراد مواد غذائية من الخارج تكاد تساوي مجمل صادراتنا الفلاحية. وتتمثل أيضًا في فشل الحكومة في توفير اللحوم والخضر والفواكه بأسعار لا تقهر القدرة الشرائية للمواطنين. وتتمثل أساسًا في استفادة الاستغلاليات الكبرى والمتوسطة بشكل كبير من دعم الدولة، واستمرار وضع الفلاحين الصغار على الحال الذي كانوا عليه قبل 2008. واستمرت التمويلات عبر الميزانية وصندوق التنمية الفلاحية دون تتبع وتقييم ومراقبة صارمة.
    لكل ما سبق، وجب التعامل مع موضوع النجاعة العمومية بكثير من الحزم والمسؤولية السياسية. وهذا يطرح ضرورة ضمان بناء مؤسساتي لمنظومة تتبع مستوى النجاعة. لدينا عدة مؤسسات رقابية ومديريات لتقييم السياسات العمومية، ولدينا أيضًا المندوبية السامية للتخطيط. لذلك، لا يمكن أن نتجاهل ضرورة مساهمة كل هذه المؤسسات لإعطاء مدلول عملي لعمليات تتبع منهجية واسعة في مجال قياس النجاعة، عبر المراقبة والافتحاص ووضع مؤشرات النتائج وجمع المعلومات على الأرض وفي الميدان، بالإضافة إلى إعادة النظر في حكامة السياسات العمومية، بما في ذلك مواجهة فساد تدبير الصفقات. يجب ألا تتحول مهام تتبع النجاعة من هدف سياسي يرتبط بربط المسؤولية بالمحاسبة إلى مجرد وظيفة شكلية تُمارس في المكاتب بعيدًا عن مواقع الإنجاز والإنتاج.
    ويظهر، حسب بعض المعلومات، أن موظفي المديرية العامة للالتقائية وتقييم السياسات العمومية، التي كانت تابعة لوزارة الاستثمارات، قد تم ضمهم إلى وزارة الاقتصاد والمالية. ولن يكون هذا كافيًا دون إعادة النظر في أدوار المفتشية العامة للمالية، عبر تمكينها من لعب الأدوار التي كُلّفت بها منذ التأسيس. ولن يتأتى هذا دون تمكين هذه المؤسسة من استقلالية كبيرة في برمجة مهامها، وحصولها على كل الإمكانيات التي تتطلبها متابعة النجاعة العمومية. ولهذا، وجب ترك هذا المجال للخبراء داخل أجهزة المراقبة والافتحاص، مع الاستعانة بخبرة المندوبية السامية للتخطيط، التي تتوفر على حضور ترابي لتتبع عدة مؤشرات اجتماعية واقتصادية ذات ارتباط وثيق بقياس نجاعة السياسات العمومية.