رغم الظروف الأمنية الكثيفة التي تم استحضارها بشكل مبالغ فيه بالتزامن مع حلول الذكرى الثالثة لرحيل الشهيد محسن فكري، فقد تمكنت لجنة الحسيمة من تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر الاتحاد المغربي للشغل بعد أن منعتها السلطات بشكل رسمي من تنظيمها في مسرح استشهاد الراحل قبل ثلاث سنوات بالضبط مساء ذلك اليوم المشؤوم في 28 أكتوبر 2016.
وكان المهم بالنسبة للجنة هو التعبير عن الموقف رغم تلك الظروف، ومع ذلك فلم يسجل أي تدخل أمني واكتفت تلك الأجهزة بتطويق المكان بعدد كبير من رجال الأمن والقوات المساعدة، وهو مشهد خلق نوع من الفزع في صفوف الرأي العام ومنع العديد من المواطنين والمواطنات من المشاركة مع اللجنة في فعاليات الوقفة الاحتجاجية.
وجاءت هذه الوقفة لتخليد الذكرى الثالثة للشهيد وترسيخها كتعبير عن تجديد العهد لقضيته وقضية كافة شهداء الريف والشعب المغربي الذين استرخصوا حياتهم دفاعا عن العدالة والحرية والديمقراطية والحق في العيش الكريم، إن هذه الوقفة هو تأكيد أن دماء الشهيد محسن فكري لن تذهب سدى ولن نترك الزمن يطوي تضحياته وهي التي كانت الشرارة التي أوقدت نار الاحتجاجات وفي نفس الوقت تم التأكيد على ضرورة إطلاق سراح معتقلي حراك الريف وكافة المعتقلين السياسيين وطي أزمة الريف.
وفي الوقت الذي تجدد اللجنة تعازيها الحارة لعائلة الشهيد ولا سيما والده الذي وقف وقفة شجاعة في مواجهة المشهد المؤلم لحادثة استشهاده، فإنها تعلن استمرارها في تخليد هذه الذكرى تكريما للشهيد وعائلته الكريمة.
ثلاث سنوات مرت على الحدث المؤلم لاستشهاد شهيد لقمة العيش، راكمت الكثير من المعاناة واهتزت المشاعر أكثر من مرة سواء باستشهاد العتابي أو بسبب الاعتقالات الجماعية والأحكام القاسية والإضرابات الطعامية في السجون التي تهدد حياة المعتقلين وخصوصا المعتقل ربيع الأبلق التي تصلنا أخبارا سيئة عن حالته الصحية، ناهيك عن تفاقم الاحتقان وفرار العديد من الشباب إلى خارج الوطن.. وهي عناوين لتفاصيل مروعة.
فرغم أن حراك الريف، من الناحية السياسية والانتروبولوجية، هو تجديد لأزمة قديمة تتكرر بشكل دوري بسبب غياب المعالجة الشاملة لقضايا الذاكرة والتاريخ والمجال، تعود جذورها الأولى إلى مرحلة المقاومة المسلحة بقيادة المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي وانتفاضة الريف سنة 58 والأحداث السياسية الموالية التي أدت إلى عقاب جماعي للريف وعزله عن محيطه وحرمانه من حقه في الاستفادة من البرامج التنموية، وبسبب غياب المعالجة السياسية الجادة تعاود الاحتجاجات الظهور إلى مسرح الاحداث تستيقظ معها المشاعر الجماعية التي تجد في الحيف التاريخي خزانا ضخما للعواطف تراكم في وعي الساكنة من فرط ما تعرضت له من تعنيف وعزلة وانعزال.
وباستحضارها لعمق المشاكل التي يتخبط فيها الريف، كانت اللجنة منذ تأسيسها حريصة على تغليب الأبعاد المفضية للتعجيل بالحل من أجل إنهاء المعاناة، ولعل أهمها هو العمل من أجل عودة المعتقلين إلى ذويهم واسترجاع حريتهم وطي المعاناة الأليمة لعائلاتهم التي تتجشم عناء التنقل لزيارتهم في مختلف سجون البلاد، ونظرا للرؤية التحليلية الرصينة للجنة التي كانت محصلة لقراءة جماعية موضوعية بعيدا عن الديماغوجية والانغماس في لعبة المصالح الضيقة على حساب معاناة الناس، فقد انخرطت بشجاعة في مسار طي الصفحة دون الالتفات إلى ردود الأفعال النزقة التي لا تكترث بعار التاريخ الذي ينتظر من ينسج المآمرات لإدامة عمر الأزمة وعلى رأسها بعض الجهات في السلطة التي تورطت في تعميق الأزمة واستثمار الاحتقان السياسي الذي يعرفه الريف بعد أن عجزت بشكل واضح في تدبير الاحتجاجات بالطرق السلمية والديمقراطية.
فبعد أن كان قد لاح في الأفق إمكانية الحل ولو على مراحل، والذي ترجمته الدفعات المتتالية للإفراج عن المعتقلين، رغم رمزيتها وبعدها التكتيكي، سارعت بعض الجهات إلى افتعال أزمات جانبية فيما يشبه تبادل الأدوار بين أطراف لها مصلحة مشتركة في تعقيد الملف لإطالة أمده، وهي تستفيد من الاحتقان وتُمنّى النفس أن يثمر مستقبلا بشكل يخدم أجندتها، وهي تتعمد تسعير أجواء الصخب لمنع انطلاق نقاش عمومي هادئ للبحث عن المخارج الممكنة للأزمة، كان آخر لقطة في مشهد كوميدي هزلي، ما أقدمت عليه كائنات توصف بأنها من بني البشر تعيش انحلالا ذاتيا وانفصاما أخلاقيا وإحباطا نفسيا، تفتقت عقليتها على إحراق العلم المغربي في خطوة مدانة سياسيا ولا يمكن تعليلها بمنطق عدم الرضا عن الواقع المأزوم لارتكاب ممارسات أشبه بعربدة سياسية تعطي هدية مجانية لجهات مخزنية من أجل تسليط العقاب الجماعي على أبناء المنطقة وتعقيد فرص الحل الممكن للمشاكل التي تتخبط فيها.
إننا نعتبر أن السياسة هي إبداع وتوقع لما سيحدث غدا لا يحصل إلا لأطراف لها الشجاعة في نزع الغشاوة عن تفكيرها ومواجهة الواقع بعيدا عن الذات المتضخمة، ولعل مصير من زرعوا الوهم بإمكانية إحداث التغيير بشكل سريع يحصدون اليوم نتائج وخيمة تتجلى في الانكفاء واليأس وهي تواصل التشبث بالوهم والعناد الانتحاري والنزول درجة خطيرة في الحضيض على مستوى الحوار الديمقراطي، متجاهلة أن الأمم ” الراقية” أبدعت قانونا حتى للحروب وأحرى الحوارات المدنية والتي رسخت لها قيما عالية في التناظر واحترام رأي الخصم.
إننا في لجنة الحسيمة نعتبر أن المهام الأساسية في المرحلة تتمثل فيما يلي:
- تطوير وتنويع الأشكال النضالية من أجل التعجيل بحل مشكلة الاحتقان بالمنطقة وذلك بإطلاق سراح كافة المعتقلين وعودة المهاجرين من أبناء المنطقة المتابعين لأسباب لها صلة بالحراك ،
- ندعو كافة القوى والمناضلين الصادقين في الداخل والخارج لتكثيف الضغط من أجل فتح أبواب الحوار،
- الاستمرار في التعريف بقضية المعتقلين وفضح كل أشكال القمع الذي يتعرضون له ودعم نضال عائلاتهم بمختلف الوسائل النضالية،
- تسييد أجواء الحوار الديمقراطي المبني على احترام الأراء والتجرد ما أمكن عن الانفعالات عملا بمبدأ ” عندما تكون في مرحلة الخطر لا تستعمل عواطفك” لأن في لحظة المشاعر فالعقل يكون في حالة خمول، ما يعطي لبعض المجموعات التي تتحين هذه الفرص للتلاعب بمشاعر الناس الصادقة لغرض الاتجار بها لتحصيل مصلحة أنانية رغم تظاهرها بمظهر التنزه عن الغرض،
- نطالب الدولة بتحمل مسؤوليتها السياسية والاجتماعية تجاه أزمة المنطقة والكف عن التصرف كمؤسسة خرساء لا تبالي بالمبادرات المطروحة و تتوانى في تجاهل الخصوصيات الإقليمية والمجالية للمنطقة ، منطق كهذا لا يمكن أن يقدم حلولا عبر مصادرة الحيز السياسي وإقفال كل أبواب الحوار وفك الارتباط بقضايا المستقبل والوطن ورهن مصيره بما يسمى بهبة الدولة، علما أن الهبة مؤسسة على الحب وليس على الارغام.
إن لجنة الحسيمة ستطلق مبادرات جدية في المدى المنظور، وعيا منها أن التحديات المطروحة تتطلب تدخلا فعالا لقوى الرد المجتمعية المتمثلة في الهيئات الديمقراطية والوطنية وكافة الضمائر الحية التي تريد الخير للجميع، ولا يفوتها أن تناشد، هذا الجميع، بتغليب الحكمة والحوار الديمقراطي، لسبب معروف، أنه أثناء التطاحنات والصراعات المدمرة لا تساهم سوى في إهدار الوقت والزمن ولن يكون إلا على حساب معاناة من هم في وضعية صعبة.
عن سيكريتارية لجنة الحسيمة




إرسال تعليق