“غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطؤون أرضا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستُقَبّلون أرضا من وطنكم العزيز”.
بهذه الكلمات أعطى جلالة المغفور له الحسن الثاني انطلاقة “المسيرة الخضراء” في السادس من نوفمبر 1975 حيث انطلق نحو 350 ألف متطوع مغربي نساء ورجالا في تناسق رائع ونظام بديع وبديع كان محط الإعجاب والتقدير، تلبية لنداء صانع ومبدع المسيرة الخضراء جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، حاملين في أيديهم القرآن الكريم والعلم الوطني، ومرددين “الصحراء صحراؤنا والملك ملكنا” ، قاصدين الأقاليم الصحراوية العزيزة، ومخترقين للحدود الوهمية التي فرقتهم عن أهلهم وذويهم بسلمية صفق لها العالم أجمع ، خطوة أتت أكلها برفع العلم المغربي في سماء عيون الساقية الحمراء في 25 من فبراير 1976 واكتمال توحيد شمال المملكة بجنوبها في 14 من غشت 1979 باسترجاع إقليم وادي الذهب .
بالرغم من مرور 45 سنة على حدث المسيرة الخضراء إلا أنها لازالت في الوجدان باعتبارها شكلت حدثا نوعيا بكل المقاييس، وإبداعا نضاليا ألهم الكثير من الكتاب والشعراء والفنانين لما شكله من تناغم استثنائي بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الأبي، الذي هب لتلبية نداء الوطن ، في مشهد تاريخي استثنائي من الصعب أن يتكرر، مشهد جعل العالم أجمع يقف مشدوها منبهرا بهذا الشعور بالانتماء الكبير للوطن، وهذا الأسلوب الحضاري الجديد والفريد من نوعه لاسترجاع الحق دون قطرة دم. في سمفونية رائعة جمعت بين عبقرية ملك فذ وإرادة شعب ينبض كبرياء وأنفة ، شعب أبى إلا أن يرفع راية الوطن خفاقة عالية في سماء صحرائنا الغالية، موجها للعالم بأسره رسالة واضحة لا لبس فيها وهي ان الوطن حر مستقل، تجمعه راية واحدة من جنوبه إلى شماله من طنجة العالية الى الكويرة الغالية.
إن المسيرة الخضراء المظفرة هي امتداد لمسيرة الكفاح الوطني الذي بذلت فيه الدماء الزكية من أجل حرية الوطن واستقلاله، حيث تصدى المغاربة شيبا وشبابا للأطماع الأجنبية الاستعمارية، لتليها الانتفاضات الشعبية، وصولا إلى النضال السياسي، وما أعقب ذلك من مقاومة فدائية، وانطلاق لعمليات جيش التحرير، إلى أن تحقق النصر بعودة أب الأمة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955 وإعلان انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ شمس الحرية والاستقلال، تلتها بعد ذلك عمليات جيش التحرير بالجنوب في رسالة قوية بالعزم على استرجاع الأجزاء المغربية المغتصبة، حيث لبت طلائع جيش التحرير الذي ضم خيرة أبناء القبائل الصحراوية نداء الوطن، وخاضت معارك حامية الوطيس لدحر المحتل الغاشم على امتداد وادي نون والساقية الحمراء ووادي الذهب، على الرغم من عتاده وأسلحته المتقدمة، وهو ما اضطر معه الجانب الاسباني إلى التنسيق مع حليفه الفرنسي فيما سمي بعملية “ايكوفيون” للخروج من هذا المأزق والهروب من هزيمة نكراء محققة.
لقد ضل المغرب عازما على استرجاع الأقاليم الصحراوية الغالية بشتى الطرق الدبلوماسية والقانونية وهو ما كان واضحا وجليا في خطابات جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه ولاسيما في خطابه التاريخي بمحاميد الغزلان في 25 من فبراير 1958 عند زيارته لها حيث قال طيب الله ثراه : ” “إننا سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان ، وهكذا نحافظ على الأمانة التي آخذنا على أنفسنا بتأديتها غير ناقصة. “
وفي 15 من ابريل 1958 تمت استعادة منطقة طرفاية في عهد المغفور له جلالة الملك محمد الخامس ليتم بعدها في 30 من يونيو 1969 استعادة مدينة سيدي افني في عهد جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني .
ونحن اليوم في “فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بطنجة” وبمختلف الفضاءات التابعة للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير نحتفل بالذكرى 45 للمسيرة الخضراء المظفرة ونستحضر دلالاتها وأبعادها ونتذكر كيف تمكنت إرادة الشعب والعرش أن تصنع المعجزات، دلالات نقف عندها من خلال أنشطة متنوعة تهدف إلى التعريف بهذه الملحمة الخالدة، ملحمة المسيرة الخضراء التي يجب أن تكون مسيرة مستمرة نحو النماء والتقدم في ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ما فتئ يؤكد في جل خطاباته على الحرص على جعل أقاليمنا الصحراوية قاطرة للتنمية وورشا لمشاريع استثمارية وتنموية مهمة وواعدة في سعي متواصل للتنمية المستديمة في مختلف المجالات وتعزيزا لورش الجهوية المتقدمة التي تعتبر قفزة نوعية في المسار الديمقراطي ببلادنا، وهنا نستحضر خطاب جلالته في الذكرى 44 للمسيرة الخضراء المظفرة حين خاطب شعبه العزيز قائلا:
” لقد كانت المسيرة الخضراء ولا تزال، أحسن تعبير عن التلاحم القوي بين العرش والشعب وهو ما ينطبق على أقاليمنا الجنوبية التي تعتبر صلة وصل بين المغرب وإفريقيا على الصعيد الجغرافي والإنساني والاقتصادي وهي مسيرة دائمة فالروح التي مكنت من استرجاع الصحراء سنة 1975 هي التي تدفعنا اليوم للنهوض بتنمية كل جهات المملكة.”
إننا اليوم وقبل كل وقت نتحمل جميعا مسؤولية تعريف الأجيال الجديدة على هذه الملحمة الخالدة ومواصلة السعي للحفاظ على وحدتنا الوطنية الترابية ضد أي محاولة هادفة للمس بها وهو ما نعمل جاهدين على تحقيقه من خلال “فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بطنجة” من خلال أنشطة متنوعة كالمحاضرات والندوات والأناشيد الوطنية والقصص والحكايات والأشرطة الوثائقية والزيارات الافتراضية وغيرها من الأنشطة ، التي تروم ترسيخ قيم المواطنة الايجابية، لاسيما في نفوس الناشئة وتعريفهم على تاريخ بلادنا وما بذله الأجداد من تضحيات جسام في سبيل حرية الوطن ورفعته.
حميدة الجازي
القيمة على فضاء الذاكرة التاريخية
للمقاومة والتحرير بطنجة




إرسال تعليق