عبقرية الملك محمد السادس نصره الله… الحكم الذاتي بالصحراء المغربية حين تتحول الحكامة الترابية إلى مشروع استقرار إقليمي.

  • بتاريخ : مارس 14, 2026 - 1:10 ص
  • الزيارات : 56
  • بقلم: حبيل رشيد.

    عبقرية الملك محمد السادس نصره الله تتجلى بوضوح كلما تعلق الأمر بالقضايا الكبرى التي تمس جوهر الدولة المغربية ووحدتها الترابية، إذ إن هذا الملف لم يُدبَّر في ظل الرؤية الملكية بمنطق ردود الفعل أو المقاربات الظرفية الضيقة التي كثيراً ما تطبع إدارة النزاعات الإقليمية في محيط مضطرب، وإنما جرى التعامل معه ضمن تصور استراتيجي متكامل يقوم على الجمع بين الواقعية السياسية والحكامة الترابية والتنمية الاقتصادية، في إطار رؤية بعيدة المدى تستوعب التحولات الدولية وتقرأ بدقة تعقيدات التوازنات الإقليمية وتستشرف مستقبل المنطقة بأفق واسع يتجاوز اللحظة السياسية العابرة إلى بناء استقرار دائم ومتدرج.

    ومن الثابت أن قضية الصحراء المغربية، بما تحمله من أبعاد تاريخية وقانونية وجيوسياسية متشابكة، شكلت عبر عقود طويلة أحد أكثر الملفات تعقيداً في المجال الإقليمي لشمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، حيث إن طبيعة هذا النزاع المفتعل جعلته يتجاوز كونه مجرد خلاف ترابي ليصبح قضية تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والرهانات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن والاستقرار والتنمية. غير أن المقاربة التي اعتمدها المغرب في ظل القيادة الملكية استطاعت أن تنقل هذا الملف من دائرة الجمود السياسي إلى فضاء المبادرة الاستراتيجية، وهو تحول يعكس في جوهره قدرة الدولة المغربية على صياغة حلول مبتكرة تقوم على التوازن بين مقتضيات السيادة الوطنية ومتطلبات التدبير الديمقراطي المحلي.

    فلا شك أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 لم تكن مجرد مقترح سياسي يضاف إلى سلسلة المبادرات التي عرفها مسار هذا النزاع، وإنما شكلت منعطفاً تاريخياً في طريقة التفكير في حل القضية، إذ إنها جاءت نتيجة قراءة عميقة لتجارب المجتمع الدولي في تدبير النزاعات الترابية المعقدة، كما أنها انبثقت من وعي استراتيجي متقدم بطبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، حيث أصبحت الحلول القائمة على توسيع صلاحيات التدبير المحلي وتعزيز مبادئ الحكامة الجهوية المتقدمة تشكل المدخل الأكثر واقعية ونجاعة لإنهاء النزاعات المزمنة وتحقيق الاستقرار الإقليمي.

    ومن ثم فإن عبقرية الرؤية الملكية تتجلى في تحويل مفهوم الحكم الذاتي من مجرد صيغة قانونية أو مقترح سياسي محدود الأثر إلى مشروع مؤسساتي وتنموي متكامل يقوم على إعادة بناء العلاقة بين المركز والجهة في إطار من التوازن الدقيق بين وحدة الدولة وتنوع مجالات التدبير الترابي. فالمبادرة المغربية، كما هو معلوم، تقوم على تصور متقدم للحكامة الترابية يتيح لساكنة الأقاليم الجنوبية ممارسة صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية، ضمن مؤسسات جهوية منتخبة تتمتع بصلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية في مجالات متعددة، مع الحفاظ الكامل على سيادة الدولة المغربية ووحدة ترابها الوطني واستمرار اختصاصاتها السيادية في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والعملة والنظام الدستوري العام.

    وبالتالي فإن هذا النموذج المؤسسي يعكس توجهاً إصلاحياً عميقاً يروم تعزيز الديمقراطية المحلية وترسيخ مبادئ المشاركة المواطنة في تدبير الشأن العام، حيث إن تمكين الساكنة المحلية من إدارة قضاياها التنموية والثقافية والاجتماعية لا يمثل مجرد آلية تقنية في تدبير المجال الترابي، وإنما يشكل في جوهره مدخلاً لترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع وتعزيز الشعور بالانتماء الوطني في إطار مشروع تنموي مشترك يربط بين متطلبات الحكامة الرشيدة وأهداف التنمية المستدامة.

    وعلاوة على ذلك، فإن هذه المبادرة الملكية لم تظل حبيسة التصورات النظرية أو النصوص السياسية، وإنما رافقها مسار تنموي واسع عرفته الأقاليم الجنوبية خلال العقدين الأخيرين، حيث شهدت هذه المناطق دينامية استثمارية كبرى شملت تطوير البنيات التحتية المينائية والطرقية والطاقية، إضافة إلى إطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات الطاقات المتجددة والاقتصاد البحري واللوجستيك، وهي مشاريع تهدف في مجموعها إلى تحويل الصحراء المغربية إلى قطب اقتصادي قاري يربط بين أوروبا وإفريقيا ويجعل من المنطقة فضاءً للتكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة.

    ومن المؤكد أن هذا التحول التنموي العميق لم يكن منفصلاً عن الرؤية السياسية للحكم الذاتي، بل يشكل أحد أعمدتها الأساسية، إذ إن الحكامة الترابية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون قاعدة اقتصادية قوية قادرة على خلق الثروة وتوفير فرص الشغل وتحسين مستوى العيش للسكان المحليين. لذلك فإن إدماج الأقاليم الجنوبية في الاستراتيجيات الوطنية الكبرى للتنمية الاقتصادية والنجاعة الطاقية يعكس إرادة واضحة في جعل الحكم الذاتي مشروعاً واقعياً قابلاً للتطبيق، لا مجرد تصور سياسي نظري.

    وفي هذا السياق، جاء قرار مجلس الأمن رقم 2797 ليكرس التحول الذي عرفه الخطاب الدولي تجاه هذا النزاع، حيث إن المجلس أصبح يؤكد بشكل متزايد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف، وهو ما يعزز المكانة الدولية للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية ومصداقية لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. كما أن هذا القرار يعكس إدراك المجتمع الدولي لأهمية الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء التي تواجه تحديات أمنية متزايدة مرتبطة بانتشار الجماعات المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

    ومن ثم فإن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تكتسي بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود النزاع الإقليمي ليصبح جزءاً من معادلة الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. فإيجاد حل نهائي لهذا النزاع من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للتكامل الاقتصادي الإقليمي ويعزز فرص التعاون بين دول المنطقة في مواجهة التحديات الأمنية والتنموية المشتركة.

    وهكذا يتضح أن عبقرية الملك محمد السادس نصره الله في تدبير قضية الصحراء المغربية تكمن في قدرته على الجمع بين الرؤية السياسية المتبصرة والعمل التنموي المتدرج والدبلوماسية الهادئة، وهي عناصر شكلت في مجموعها مقاربة متكاملة استطاعت أن تحول ملفاً إقليمياً معقداً إلى مشروع سياسي وتنموي متماسك يقوم على مبادئ الحكامة الترابية والواقعية الدولية والاستقرار الإقليمي… وهو ما يجعل من مبادرة الحكم الذاتي اليوم أحد أبرز النماذج المعاصرة في إدارة النزاعات الترابية ضمن رؤية تجمع بين السيادة الوطنية والتنمية المستدامة وآفاق التعاون الإقليمي.