تعيش هولندا على وقع زلزال سياسي غير مسبوق بعدما قدّم وزير الخارجية كاسبار فيلدكامب استقالته من منصبه، معلنًا عجزه عن الاستمرار في حكومة تمارس ما وصفه بـ”التواطؤ مع المأساة الإنسانية في غزة والضفة الغربية”.
الخطوة لم تمر معزولة، بل جرّت وراءها سلسلة استقالات متتالية لعدد من أبرز وزراء حزب “العقد الاجتماعي الجديد”، ما جعل المشهد السياسي الهولندي يدخل مرحلة غموض واضطراب قد تعيد رسم ملامح السلطة في البلاد.
فيلدكامب قالها بصراحة أمام الصحافة: “لقد اتخذنا سلسلة خطوات ضد إسرائيل، ولهذا السبب يجب على هولندا أن تشعر بالعار”. جملة قاسية ومباشرة، لكنها تعكس حجم التناقضات داخل الحكومة بشأن الموقف من العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث اصطدمت دعوات فرض عقوبات إضافية على تل أبيب برفض وعرقلة داخل مجلس الوزراء.
الوزير المستقيل وجد نفسه في عزلة سياسية، محاصرًا بضغوط زملائه، قبل أن يحسم خياره بالرحيل.
تضامن رفاقه في الحزب – من بينهم وزراء الشؤون الاجتماعية، الداخلية، التعليم، والصحة – أعطى بعدًا أكبر لهذه الأزمة. فالاستقالات الجماعية لا تضعف فقط الائتلاف الحكومي، بل تهز شرعيته من الداخل وتفقده توازن القوى الضروري للاستمرار.
وفي بلد مثل هولندا، حيث الثقافة السياسية قائمة على التوافق والائتلافات الهشة، يمكن لمثل هذه الخطوات أن تعجّل بانهيار كامل للحكومة أو جرّها نحو انتخابات مبكرة.
توقيت هذه الاستقالات يزيد من وقعها. فهي تأتي متزامنة مع إعلان الأمم المتحدة رسميًا حالة المجاعة في غزة، محملة إسرائيل مسؤولية “جوع كارثي” يهدد نصف مليون إنسان.
بهذا المعطى، تتحول استقالة فيلدكامب من مجرد خلاف سياسي داخلي إلى موقف أخلاقي يجد صداه خارج الحدود، ويحرج العواصم الأوروبية المترددة في كبح إسرائيل.
المفارقة أن أمستردام كانت قد اتخذت في الأسابيع الماضية بعض الخطوات الجريئة، مثل إعلان وزيرين إسرائيليين من اليمين المتشدد “أشخاصًا غير مرغوب فيهم”، والمشاركة في إدانة دولية لمشروع استيطاني جديد بالضفة.
لكن تلك المبادرات لم تكن كافية لترضية فيلدكامب، الذي رأى أن بلاده ما تزال متورطة في صمت متواطئ مع آلة الحرب الإسرائيلية.
اليوم، تبدو حكومة هولندا في عين العاصفة، معلقة بين ضغوط الداخل التي تفجرت بالاستقالات، وبين مسؤولياتها الخارجية كعضو في الاتحاد الأوروبي مطالب بموقف أكثر جرأة تجاه إسرائيل.
وفي كلتا الحالتين، فإن استقالة وزير الخارجية ورفاقه تكشف هشاشة النسيج السياسي الغربي حين يتعلق الأمر بفلسطين: مواقف مترددة، حسابات حزبية ضيقة، وصراع بين الأخلاق والمصالح.
وفي النهاية، قد يُسجل التاريخ أن فيلدكامب لم يسقط سياسياً بقدر ما ارتفع أخلاقياً، حين قرر أن يقول “لا” في وجه حرب جوع وحصار، بينما كثيرون اختاروا الصمت.


إرسال تعليق